وجودها، وهذا مما يبرز دور العمل الفكري والنفسي وأهميته في التعامل مع قوات الثورة، وإظهارها على صورتها الحقيقية بأنها حركة ضد جمهور المسلمين، في فكرها وفي ممارساتها. ويظهر من ذلك أن العمل ضد الحركات الثورية هو عمل فكري بالدرجة الأولى، هدفه تجريد الثورة من حجة وجودها، وفي الوقت ذاته تثبيت القناعة في وسط القوات النظامية - الشرعية - بعدالة قضيتها. وإنها تحارب عدوا منحرفا عن القيم والفضائل التي جاء بها الإسلام. أما بالنسبة للعمل ضد الثورة فلا بد من ملاحظة عامل هام وهو السرعة في العمل ضدها، وبذل كل جهد مستطاع لخنقها وهي في مهدها. ولقد تحركت قوات أمير المؤمنين في الصدر العباسي الأول بسرعة كبيرة مما ساعدها على تطويق الثورات بسرعة ولكن، ومع مرور الزمن، وبسبب مجموعة كبيرة من العوامل المتشابكة، بدأ هذا التحرك مسارات متباطئة مما ساعد ثورة الزنج على الاستمرار لبضع سنين، ومما ساعد القرامطة على البقاء لعدد من عقود السنين. ويظهر ذلك بمدى الحاجة لقوات جاهزة دائي من أجل التعامل مع الحركات الثورية. ليس ذلك فحسب بل لعله من الأفضل سبق الأحداث بکشف رؤوس الفتنة وقادة الثورة قبل أن ينتقلوا إلى مرحلة الصراع المسلح.
هنا لا بد من القول بأن المجتمع الإسلامي بحكم تكوينه المحارب، وبفضل ممارسته النجهاد. قد ضمن توافر العناصر المقاتلة على نطاق واسع، كما ضمن توافر الخيرات القتالية على كافة المستويات. ولهذا لم يكن غريبا أن تشمل ساحات الصراع اعدادا ضخمة من المقاتلين الذين يخوضون صراعاتهم لأهداف شتى. ولما كان الهدف المحرك للثورة هو هدف ديني - عقائدي أو مذهبي - في أساسه. فقد كان من طبيعة الأمور أن تأخذ الحرب طابع العنف والقسوة - لاسيا في المراحل الأولى - إلى أن يتحول هذا العنف الى صفة ملازمة للثورة، وليتحول بعد ذلك إلى سلاح مضاد للثورة ذاتها.
لقد بات معروفة في الأزمنة الحديثة أن الشكل الأمثل للحرب هو تحقيق الاقتران بين الحروب الثورية والحروب النظامية سواء في الهجوم أو في الدفاع، فبينما تشن قوات الأنصار والقوات المنظمة من العصابات أعمالها على مؤخرات قوات العدو، لضرب خطوط مواصلاته ومهاجة مصادر إعداده وتموينه ونصب الكمائن لإعاقة تحركاته،