تقوم القوات النظامية بتوجيه عملياتها والعدو في حالة شلل أو ارتباك من ضربات القوات الثورية على مؤخراته. ولقد برهن هذا الأسلوب فاعليته الكبرى خلال الحرب العالمية الثانية على الجبهتين الشرقية والغربية، وخلال الحروب الثورية التي أعقبت ذلك
الحرب الكورية والحرب الفيتنامية والحرب الجزائرية). فقد استطاعت الحروب الثورية استنزاف القوات الالمانية في أوروبا - فرنسا وبلجيكا وهولاندا - وفي البلقان - يوغوسلافيا خاصة. وكذلك على جبهة الشرق. حيث عملت قيادات الحلفاء على تنظيم المقاومة السرية على أعلى المستويات. ولقد تم ربط مخطط العمليات السرية (المقاومة) مخطط عمل القوات النظامية، مما أدى الى توفير كبير في جهد القوات وفي الخسائر التي كانت ستتعرض لها قوات الحلفاء لو اصطدمت بقوات المانيا النازية. ألبس مثيرة بعد ذلك أن يكون العرب المسلمون هم أول من طبق هذه السياسة الإستراتيجية قبل أربعة عشر قرنا. ثم طورها المسلمون عبر حروبهم وصراعاتهم المتتالية؟.
ولقد بات معروفة أيضا في الأزمنة الحديثة أهمية الاقتران بين عمل القوات النظامية على الجبهة الخارجية وبين عمل القوات الثورية على الجبهة الداخلية للعدو. بحيث تؤدي الأعمال الثورية إلى ارباك خطط العدو وشل قواته ووضعها في موقف يحرمها من حرية العمل العسكري. وبذلك خرجت روسيا القيصرية من الحرب العالمية الأولى، وبذلك انهارت الدولة العثمانية بقيام الثورة العربية الكبرى. وبذلك أيضا انهارت المانيا القيصرية في الحرب العالمية الأولى. وكذلك انهارت ايطاليا في الحرب العالمية الثانية عندما اجتاحتها الثورة الداخلية. ولقد اعتمدت هذه الثورات ومثيلاتها على أساليب الحرب النفسية، وعلى تكوين تنظمات ثورية في بلاد العدو. أليس غريبا بعد ذلك أن تتعرض الدولة العباسية لهذين النوعين من الحروب، وبالرغم من ذلك، فإنها صمدت للتحديات وقاومت أعداء الداخل وأعداء الخارج في وقت واحد؟ وهل بالمستطاع وصف الدولة التي نجحت في تجاوز محنتها والخروج منتصرة بالضعف أو أتهامها بالتخاذل؟ من المحتمل هنا القول بأن أعداء الدولة الإسلامية - العباسية - لم يكونوا يمتلكون القوة الكافية لا على الجبهة الداخلية ولا على الجبهة الخارجية للإجهاز على الدولة العباسية، أو أن هؤلاء الأعداء لم يكونوا يمتلكون الخبرة الكافية لتنسيق العمل