تشكل هذه الحركات الثورية بعد ذلك نموذجا رائعا لدراسة أساليب الحرب الثورية، فقد كان قادة هذه الحركات يحرصون كل الحرص على تجنب الصدام مع قوات متفوقة، ويقتصرون في أعمالهم القتالية على هجمات محدودة ومباغتة، فكانت انتصاراتهم الصغرى والمتتالية تساعدهم على تعميق جذورهم وزيادة اتساع مجال عملهم - الجغرافي -. وكانوا يعتمدون على العنف والإرهاب من جهة وعلى الإغراءات المادية من جهة ثانية لاكتساب الانصار والمؤيدين، حتى إذا ما وصلت الثورة الى درجة كافية من القوة لم تتردد في توجيه ضرباتها للقوات النظامية، مستفيدة من رصيدها المعنوي الهائل لتدمير القوات المعادية. ولهذا لم يكن غريبا أن تتمزق القوات النظامية المتفوقة بالقوى والوسائط لمجرد اصطدامها بقوات الثورة، أو مجابهتها. ولكن، ومع مرور الوقت، تكتسب القوات النظامية - إذا ما توافرت لها قيادات ذات كفاءة عالية - القدرة على مجابهة قوات الثورة. وتبدأ عندها مرحلة التوازن بين قوات الثورة والقوات المعادية لها. وبذلك تنتقل المبادأة إلى أيدي القوات النظامية، ويبدأ التحول في غير مصلحة الثورة، ويتم تجريد قواة الثورة من رصيدها المعنوي. حيث نستفيد القوات النظامية من (هالة الشرعية) لتمزق (هالة الرعب التي تنشرها الثورة وتستثمرها. وهذا مما يؤدي إلى دفع الثورة إلى المزيد من التطرف في محاولة للتشبث بمواقعها المفقودة، ولكن ذلك يؤدي بالثورة الى الوقوع في متناقضاتها، فتبدأ بالتحلل والتفسخ من الداخل. وتفقد قدرتها على التطور والاستمرار، رغم امتلاكها لقوات وموارد تزيد كثيرة على تلك التي كانت تمتلكها عند انطلاقتها الأولى. ويمارس العامل المعنوي دوره الحاسم في هذا المضمار. إذ يتبين لقوات الثورة مدى العزلة التي نزلت بها. والناتجة بصورة طبيعية عن ممارساتها الإرهابية والتي كثيرا ما تكون قد وجهت توجيها خاطئة، بحيث تقلب الأنصار الي خصوم والمحايدين إلى أعداء حقيقيين، وبدهي ألا تستطيع الثورة التطور أو الاستمرار إلا من خلال ما تلقاه من دعم الجماهير لها. وقد ظهر أن القيادات النظامية التي تتمتع بالشرعية - قد عملت على الاتجاه المضاد تماما، حيث حرصت باستمرار على حماية الحيادين وتحييد الأنصار، وإفساح المجال القوات الثورة - للتوبة - فجردت بذلك الثورة من ذريعتها، وحجة
فن الحرب الإسلامي · الصفحة ١٧٩٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
فن الحرب الإسلاميص ١٧٩٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي