هنا لا بد من العودة الى البدايات الأولى لظهور فن الحرب الإسلامي، سواء في عهد النبوة، أو في عهود الخلفاء الراشدين، حيث الفتوحات العظمي - والتي اكتملت في العهد الأموي. فقد تشكل في الحرب الإسلامي وضم شكلي الحرب معا: حرب القوات النظامية - الأجناد - وحرب القوات الثورية التي تعتمد على عمل المفارز والوحدات الصغرى. وتابع فن الحرب تطوره ضمن هذا الإطار ذاته حتى أخذ في العصر العباسي أبعاده الواضحة سواء عند العمل على الجبهات الخارجية أو عند العمل على الجبهة الداخلية - أي ضد الحروب الثورية .. ولهذا فقد كان لقوات أمير المؤمنين تفوقها في مجالين: الشرعية والقوى المقاتلة. هذا في حال امتلاك الأطراف المتصارعة الكفاءة متعادلة في مجال إدارة الحرب وقيادة الأعمال القتالية ..
وفي الواقع، فقد تميز قادة الحروب الثورية عامة بكفاءة قيادية عالية برزت من خلال تنظيم شبكات الاستطلاع والجاسوسية، ومن خلال التحصين الهندسي للأرض، علاوة على تلك الكفاءة التي تجلت في قيادة الأعمال القتالية ذاتها.
لقد ظهر من خلال استعراض الأعمال القتالية لثورة الزنج والقرامطة أن قادة هذه الثورات تمكنوا من نشر شبكة دقيقة من الجواسيس وصلت حتى دار الخلافة وأحاطت بكافة تحركات القوات، وبالمقابل كانت شبكة دار الخلافة تحيط بكل مكان، ولهذا
كان كل طرف يعرف عن يقين قوة خصمه وقدرتها معرفة دقيقة. وكانت هذه المعرفة عاملا مساعدة لإدارة الحرب، غير أنها كانت في الوقت ذاته عام معيقة في وجه الجسم. إذ كان كل طرف يستطيع استباق الأحداث وتجنب المأزق الحرجة. ولم يكن من السهل في الحالات كلها خداع الخصم أو تضليله ولهذا بقي عامل الحسم معلقة لفترة طويلة.
كانت دراسة الأرض والإفادة من موانعها وعوائقها، وتنظيمها تنظيا هندسية عاملا هاما في جملة عوامل نجاح الأعمال الثورية. وقد ظهر ذلك واضحا في ثورة الزنج، كما تكرر ذلك في الحرب مع القرامطة. ويظهر ذلك مدى التطور الفكري الذي وصلته قيادات الحركات الثورية، ومدى ما توافر لها من الكفاءة.