(حي على الفلاح) تشن الحرب؟ ولكن كل ذهول يزول ويتبدد عند الذهاب إلى ما وراء الشعارات المرفوعة، ذلك أن الانحراف البسيط في بداية الأمر قد وصل إلى ابتعاد كبير عن الإسلام عندما أوغل المنحرفون في مسيرهم. فكانوا كل يوم يبتعدون أكثر فأكثر عن روح الإسلام ونهجه. وعلى هذا لم تكن القضية قضية تعصب أعمى أو تزمت طائش، وإنما كانت القضية قضية وعي وإدراك خطورة ذلك الانحراف، وما ستؤدي نتائجه الى انحراف بالإسلام ذاته. وعلى هذا فقد كانت الصراعات الداخلية، وكما سبق ذكره هي نوع من حروب الردة، بين الإسلام والمسلمين وبين من أرادوا الانحراف بالإسلام والمسلمين عن النهج القويم. نهج كتاب الله وسنة رسوله. وهو الصراع الذي سيبقى ما بقي للإسلام ذكر، وما بقي للتوحيد وجوده على أرض الله.
لقد كان لضعف دار الخلافة في فترة معينة، دوره الكبير في تفجر الصراعات الداخلية خلال تلك الفترة، وقد يكون من المثير متابعة تلك المؤامرات التي كان يحيطها النقيبان - نقيب السنة ونقيب الشيعة - في الخفاء، حيث كان يعتمد النقيبان على ما هو متوافر لها من الوسائل المتاحة، وكان الشارع الإسلامي هو مجال الصراع، و كان لدور بقية مراكز القوى دورها في ذلك الصراع الخفي - مما يذكر بما كان يسمي - مؤامرات البلاط - في دول العالم الغربي طوال العصور الوسطى. ومن الجدير بالذكر أن هذه المؤامرات قد توقفت تماما، وانتهى الصراع على الجبهة الداخلية، عندما وصل السلاجقة - طغرل بك - إلى بغداد. وأصبح باستطاعة الخليفة أن يصدر أمر بسيطة التقويم كل اعوجاج و مقاومة كل انحراف. ويظهر من خلال ذلك كله أنه قد يكون من التجني على الحقيقة التاريخية، ومن الافتراء عليها، ومن الظلم لها، تحميل تلك الحروب تفسيرات أو تأويلات لم تكن تمتلكها أصلا، أو محاولة استخدامها لتشويه الإسلام، اذ انها لم تكن إلا تعبيرا عن مرحلة معينة أوجدتها عوامل واضحة.