بعد ذلك التوقف عند أسباب تلك الحروب الداخلية وعواملها، فالتناقضات الداخلية موجودة في كل مجتمع، في القديم كما في الحديث، بل ربما كانت التناقضات في المجتمعات الحديثة أشد عمقة وأكثر اتساعا مما كانت عليه في المجتمعات القديمة. غير أن الوسائل المتوافرة في تنظيم المجتمعات الحديثة باتت قادرة على التعامل مع التناقضات بكفاءة أكبر وبسرعة أكثر. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فكلما تزايدت قوة المجتمع - وثراءه وقدرته العسكرية وتنظيمه - كلما كان أكثر قدرة على استيعاب التناقضات والتعامل معها، وكلما ضعفت هذه العوامل، كلما توافر المجال لتفجير الحروب الداخلية. غير أن هناك قضية أساسية طرحت ذاتها بقوة منذ أيام العهد الأموي وتزايدت وضوحا في العصر العباسي، وهي أن الشعوب التي دخلت في الإسلام تباعا لم تتمكن بعد أن أصبحت هي مراكز القوى في الدولة، أن تفهم الإسلام کا كان يفهمه السلف، مما أدى بالتالي إلى زيادة حدة التناقضات، و كذلك، فإن وجود التناقض بين المذاهب قد أفسح المجال الرحب لاستثمار هذه التناقضات وتوجيهها ضد مبادئ الإسلام ذاته. فكان حدوث الحروب الداخلية أمرا ينسجم وطبيعة مجريات
الأمور.
لقد كان المجتمع الإسلامي في العصر العباسي - وربما أكثر من أي عصر سبقه أو جاء بعده - يضج بالحركة والصخب، أقوام تسير وراء الفتنة العمياء والضلالة الجهلاء، وأمم تنصرف للحروب الداخلية بحثا وراء مثل أعلى. أو وراء مكسب مادي، وأمم لا هم لها إلا الجهاد في سبيل الله على الجبهات الخارجية. وكانت هذه كلها تسير متوازية في وقت واحد، ويمكن تصور تلك القدرة المتفجرة لو توجهت لعالم الفتوح، على نحو ما كان عليه الموقف أمام الأمويين. وليس بالمستطاع على كل حال الذهاب في التصورات بعيدة، إذ أن التصورات والافتراضات والأمور النظرية نتناقض مع موضوعية البحث التاريخي، فليس على الباحث إلا أن يذكر الأحداث ويستخلص منها عبرها ودروسها ونتائجها. وتؤكد الحقيقة والموضوعية أن تلك الحروب الداخلية قد استنزفت كثيرة من قدرة الشعوب الإسلامية. وقد بقف الباحث ذاهلا عندما ينظر اليوم في أسباب تلك الحروب. فهل من أجل جملة (حي على خير العمل بدلا من