ذلك سنة 547 ه = 1065 م. وقد أوقد الفتنة في هذه المرة، الشريف أبو القاسم البكري المغربي الواعظ - وكان أشعري المذهب - وكان قد قصد نظام الملك فشجع الشريف أبا القاسم وسيره الى بغداد، وأجرى عليه الجراية - الراتب - فوعظ بالمدرسة النظامية، وكان يذكر الحنابلة ويعيبهم ويقول: (وما كفر سلمان ولكن الشياطين كفروا) والله ما كفر أحمد ولكن أصحابه کفروا. ثم إنه قصد پوما دار قاضي القضاة أبي عبدالله الدامغاني، فجرى بين بعض أصحابه وبين قوم من الحنابلة مشاجرة أدت الى الفتنة. وكثر جمعه، فهاجم دور بني الفراء وأخذ كتبهم - كتب الحنابلة - وأخذ منها كتاب - الصفات - لأبي يعلى، فكان يقرأ بين يديه وهو جالس على الكرسي للوعظ، فيشنع به عليهم. وجرى له معهم خصومات وفتن.
لقد رافق ذلك كله ظهور فساد عام، فقد اضطرب حبل الأمن، وساد الخوف على الممتلكات والأموال. ولم تعد الطرق مأمونة، ونشط قطاع الطرق وسواهم. وقد تكون هذه الظواهر متوقعة في مجتمع مزقته الصراعات الطائفية.
ليس من الضروري بعد ذلك البحث فيما إذا كانت تلك الحروب الداخلية مي السبب في الانصراف عن الحروب الخارجية، أو أن عدم ممارسة الحروب الخارجية قد أدى إلى تفجر الحروب الداخلية. فلكل نظرية أنصارها ومؤيدوها والذين يمتلكون البراهين من التجربة التاريخية ذاتها للبرهان على صحة كل طرف من طرفي المعادلة. والمهم في الأمر هو أن هناك ثمة علاقة ثابتة بين الحروب الداخلية والحروب الخارجية، وأن كل نوع من أنواع هذه الحروب يتعايش على حساب الحروب الأخرى. ومعروف أيضا أن الحروب الداخلية تستنزف القدرة الكامنة في الأمة وتفتتها وتضعفها بأكثر مما تضعفها الحروب الخارجية. ولهذا لم يكن غريبا على سبيل المثال أن ترفع الثورة الفرنسية مبدأ (القضاء على العدو الداخلي قبل مجابهة العدو الخارجي) باعتبار أن هذا العدو هو الأكثر شرة والأشد خطرة. وليس هذا المبدأ إلا مصداقا لما فعله أمير المؤمنين أبو بكر الصديق قبل ذلك بأكثر من ألف عام عندما وجه كل الجهود للقضاء على المرتدين قبل إطلاق جيوش الفتح. كما أن الحروب الخارجية كثيرة - وليس دائما - تسهم في القضاء على الخلافات والتناقضات الداخلية. ولقد يكون من غير المهم