القادر بالله نصر الدولة، وكان عمره نيفة وثمانين سنة، وإمارته اثنتين وخمسين سنة. واستولى على الأمور في ديار بكر - استيلاء تامة، وعمر الثغور، وضبطها، وتنعم تنعة لم يسمع مثله عن أحد من أهل زمانه، وملك من الجواري المغنيات ما اشترى بعضهن بخمسة آلاف دينار وأكثر من ذلك. وملك خمسمائة سرية، سوي توابعهن، وخمسمائة خادم. و كان في مجلسه من الآلات ما تزيد قيمته على مائتي ألف دينار. وتزوج من بنات الملوك جملة. وأرسل طباخين إلى الديار المصرية، وعزم على إرسالهم جملة وافرة حتى تعلموا الطبخ من هناك. وأرسل إلى السلطان - طغرل بك - هدايا عظيمة من جملتها الحبل الياقوت الذي كان لبني بويه - اشتراه من الملك العزيز أبي منصور بن جلال الدولة، وأرسل معه مائة ألف دينار سوى ذلك، ووزر له أبو القاسم بن المغربي. وفخر الدولة بن جهير، ورخصت الأسعار في أيامه، وتظاهر الناس بالأموال، ووفد إليه الشعراء، وأقام عنده العلماء والزهاد، وبلغه أن الطيور في الشتاء تخرج من الجبال إلى القرى فتصاد. فأمر أن يطرح لها الحب من الأمراء التي كانت له. فكانت في ضيافته طول عمره.
في وسط تلك الظلمة أضاءت دار الخلافة ببغداد بضياء جاء من الشرق، فقد تقدم طغرل بك من بغداد. وكان أول ما فعله (سنة 447 ه = 1050 م) أن أمر أهل الكرخ: «أن يؤذنوا في مساجدهم سحرة - الصلاة خير من النوم .. وفي السنة التالية، أصدر الخليفة أمره بأن يؤذن بالكرخ والمشهد وغيرها: (الصلاة خير من النوم) وأن يتركوا (حي على خير العمل). ففعلوا ما أمرهم به خوف السلطنة وقوتها ..
لم تكن الفتن بين السنة والشيعة هي الفتن الوحيدة. فقد أفسحت هذه الفتن المجال الرحب الظهور فتن بين السنة ذاتهم. وفي هذا العام ذاته (147 ه = 1055 م) وقعت فتنة بين الفقهاء الشافعية والحنابلة ببغداد، حيث عمل مقدم الحنابلة أبو علي بن الفراء، وابن التميمي، ومعها كثير من العامة، على إنكار الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم) ومنعوا من الترجيع في الأذان والقنوت في الفجر، وساروا إلى ديوان الخليفة فلم يتم اتخاذ قرار بهذا الشأن. وجاء الحنابلة إلى مسجد باب الشعير، فنهوا إمامه عن الجهر بالبسملة، فأخرج مصحفة، وقال أزيلوها من المصحف حتى لا أتلوها. وحدث مثل