تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يظهر من خلال ذلك انه ليس هناك ما هو أشد خطرة من أخذ ظاهرة من الظواهر - مثل قتل أحد الخلفاء أو حتى أكثر من خليفة - على أيدي الجند، وتعميم هذه الظاهرة على الحكم العباسي كله، باعتبارها ظاهرة تؤكد خضوع الخلافة للجند وتحكم هؤلاء بالخلافة. ويظهر من خلال ذلك أيضا خطأ تقسيم العصر العباسي زمنية، أو بحسب مجموعة معينة من ظواهره، فقد كان لكل فترة تطوراتها، وكان الحكم العباسي يسير مع هذه التطورات، وهي تطورات لا تخضع بحسب مقولات البحث العلمي الحدود زمنية أو مكانية معينة، وإنما هي نتيجة تفاعلات دينية واجتماعية واقتصادية وسكانية تمارس دورها مع عوامل خفية أخرى بصورة بطيئة لتأخذ شكلها العنيف والواضح خلال حقبة زمنية معينة، غير أن جذور تفاعلاتها قبل ذلك، ثم استطالاتها وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على سواها من الأحداث تبقى مخفية وغير واضحة. وما يهم البحث هنا هو الاعتماد على الحقائق الواضحة، والمؤكدة، والتي تبرهن المرة بعد المرة على أن الحكم العباسي لم يتمكن من الصمود ولم ينجح في الاستمرار إلا بفضل اعتماده على الإسلام الذي نظم علاقات المجتمع الإسلامي في دنياه من أجل آخرته. وتقود هذه الحقيقة إلى حقيقة أكثر أهمية، وهي أنه من الصعب على غير المسلم فهم هذه الديناميكية التي ميزت المجتمع الإسلامي عن غيره من المجتمعات. وهذه الديناميكية - أو القدرة المحرضة والمحركة .. بخصوصيتها المميزة لها، تجعل من الصعب استخدام المقاييس السائدة في مجتمع من المجتمعات وتطبيقها على المجتمع الإسلامي، ومثال ذلك ما سبق ذكره عندما عمل الجند على إعادة المقتدر إلى منصب الخلافة ثم اخذوا في القول: «إن لم يفعل المقتدر معنا ما نستحقه قاتلناه بما يستحق .. أو من يصعد الحمار إلى السطح يقدر أن يحطه .. وذلك للبرهان على ما وصلته مكانة الخليفة من انهيار. فقد يكون من طبيعة الأمور، وقد عرف الجند دورهم في إعادة أمير المؤمنين إلى سدة الخلافة، أن يزهوا بقوتهم وقدرتهم. ولكن هل خضع الخليفة لهذه القوة أم اعتبر انهم كانوا الوسيلة، وأن القوة لله جميعا، فعمل على تمزيق هؤلاء الذين أخذتهم العزة بالإثم، معتمدة بعد الله على الإنسان المسلم في المجتمع الإسلامي والذي هو مركز الثقل ومركز التوازن، وأن هذه القوة إن لم تكن في خدمة الإنسان

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ١٧٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ١٧٧٥