يكون كذلك طالما مارس حكمه باسم الإسلام. فالإسلام هو دين الدنيا والآخرة، و هو دين الدنيا باعتبارها المرحلة الخاطفة في حياة الإنسان للوصول إلى الآخرة. غير آن خلفاء بني العباس، وقد أدركوا اتساع ممالك المسلمين، وعرفوا قوة الشعوب التي اعتنقت الإسلام، واندفعت لرفع راية الجهاد في سبيل الله، عملوا على التكيف مع التطورات المستجدة، وماذا يضيرهم ان يحكموا بصورة مباشرة أو غير مباشرة طالما أن هدفهم الأوحد هو دعم الإسلام والقضاء على الانحرافات، وضمان أمن الإنسان المسلم وحمايته، وتحقيق الاستقرار للمجتمع الإسلامي؟ وبدهي أن خلفاء بني العباس، لم يكونوا نسيجة واحدة في قدراتهم القيادية و كفاءاتهم. وكذلك لم تكن الظروف المحيطة بكل واحد منهم مشابهة لظروف الآخرين. فالمجتمع الإسلامي خلال العصر العباسي قد تطور كثيرة، وشهد تغيرات مثيرة، وقد دفع بعض خلفاء بني العباس ثمن هذه التناقضات غالية، من حياتهم، ومن وجودهم. وتمكن آخرون رغم كل العوائق من السيطرة على الأحداث، بل وسبقها وتوجيهها نحو مساراتها الصحيحة. وقد عصفت بالدولة العباسية العواصف الهوجاء العاتية، وصمدت بغداد وحدها، وحوصرت، وخرجت في كل مرة وهي محتفظة بمكانتها وهيبتها. فهل كان ذلك بحكمة الخلفاء وسداد رأيهم، أم كان بفضل مراكز القوى التي نذرت نفسها لخدمة خلفاء بني العباس أم أن ذلك كان بفضل الإنسان المسلم الذي بقي ثابتة وسط العواصف الموجاء؟. لقد
ظهر من العرض السابق أن العاصفة الهوجاء قد اجتاحت كل بيت من بيوت المسلمين، فمنهم من ثبت، ومنهم مضى مع العاصفة الى حيث ألقت به في معسكر من المعسكرات المتصارعة. ولكن هذا الابتلاء قد انحسر في كل مرة لمصلحة الإسلام. وإذن فليس الفضل للخلفاء من بني العباس وفيهم القوي وفيهم الضعيف، وليس في مراكز القوى التي سار بعضها على النهج وسار بعضها ضده، وليس أيضا في الإنسان المسلم الذي تعرض للابتلاء فصمد أو استسلم. وإنما كان الفضل دائما للإسلام، الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور، والذي بين هم حدود الخير والحق وما في هذا الكون من تناقضات هي من طبيعة الوجود ذاته. كما في الليل والنهار والظلمة والنور وسائر الثنائيات المتناقضة.