بالعساكر ولا يمكن دفع مضرتها عنها.
لقد كان للجيوش الكثيفة ثقلها على السكان، ومعروف ان بناء كثير من المدن الإسلامية - مثل واسط وحتى بغداد - لم يتم إلا لإبعاد الجند عن الاحتكاك بالمسلمين - او المواطنين المدنيين - فالجيش هو لحمايتهم والدفاع عنهم وضمان أمنهم وحريتهم، وقد تحدث ظروف طارئة أو عابرة يحدث فيها طغيان أو فتة تحدث اضطرابا في العلاقة بين الإنسان المسلم وبين قوات الخليفة أو سواها. غير أن هذا الاضطراب العارض لا بد له من التقويم وبسرعة، فالجيش يستمد قوته من المواطن وهذا المواطن يجد أمنه وحمايته في الجيش، ولم يكن المواطن المسلم ليفرط في حقه إذا ما وجد انحرافا بل كان يقاومه قدر استطاعته، فإذا ما انتصرت القوة على حقه، قد يستكين على كره - ولو بصورة مؤقتة، غير أنه لا بد له من أن يجد الفرصة لتقويم الموقف لمصلحته ولإقامة حدود الله على أرض الله - ولهذا كان لا بد للقوة بدورها من استرضاء حق الإنسان المسلم والعمل له حتى تستقيم الأمور، وكان الخليفة هو الذي يراقب هذا التوازن في العلاقات. ويستمد قوته أولا وآخرا من قوة الإنسان المسلم، ومن قوة الحق، و إذن فالقوة المهيمنة هي قوة الإسلام الذي كان يحكم العلاقات جميعا، وينظم أمور المسلمين لما فيه مصلحة الجميع، مصلحة أمير المؤمنين ومصلحة جند الله ومصلحة الإنسان المسلم الذي يعمل في مجتمعه لخير هذا المجتمع. وكانت مصلحة الجميع هي العمل لأخرتهم قبل العمل لدنياهم. و كان ظهور الصراعات هو أمر طبيعي ومتوقع - كما هو الأمر منذ عاش الإنسان على أرض الله، وطالما هو باق على هذه الأرض - والمهم في الأمر هو بقاء قيم المجتمع الإسلامي وفضائله هي السائدة وهي المهيمنة على السلوك والممارسات جميعا.
وقد يكون من الخطأ الكبير على ضوء ما تقدم الأخذ بمقولات باتت شائعة و معروفة مثل: اتهام الحكم العباسي بالضعف خلال العصر العباسي الثاني، أو القول بأنه لم يعد للخليفة سوى الدعاء على المنابر والبردة والقضيب. فهذه الرموز من شعائر الإسلام والإصرار على التمسك بها ما هو إلا البرهان على قوة هذه الرموز، وتساميها على كل قوة. ولم يكن الخليفة العباسي في يوم من الأيام حاک) دينية، ولا يمكن له أن