تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوى جمهور المسلمين، ومع مراكز القوى الأخرى. ولم يكن طغرل بك على استعداد الإغضاب الخليفة، وهو لم يجد من حريته في الحكم إلا بما أمر الله وهو (إقامة حدود الله). و كان خضوع الخليفة وطغرل بك لسلطان واحد هو سلطان الحق والعدل، وعندما عرف طغرل بك أن جنده قد تجاوزوا الحدود في علاقتهم مع المسلمين، أمر بخروجهم من بغداد. وإذن لم يكن الخليفة ضعيفة، ولم تكن سلطته دينية منفصلة عن السلطة الدينوية، بل إنه ألقي بأعباء الحكم على من يأنس فيه القدرة على إقامة حدود الله، وبقي ممسكة بموقعه المهيمن الذي يشرف منه على كل ما يحدث. وكان باستطاعته دائما تقويم الاعوجاج، وتصحيح الانحراف، بل كان قادرة - رغم ضعف قوته العسكرية - على قلب الموقف ضد هذا الذي يملك مفاتيح القوة العسكرية. وقد فعل ذلك مرات من قبل.

لقد كانت قوة الخليفة مرتبطة بقدرته على الالتزام بحدود الله و إلزام رعيته بها. وكانت قوة مراكز القوى المختلفة بقدر إقامتها لحدود الله على أرض الله. ولعل أفضل ما يبرز هذه الحقيقة، رسالة جغري بك داود بن ميکائيل بن سلجوق - أخو السلطان طغرل بك - ووالد ألب أرسلان - وقد بلغه طغيان أخيه طغرل بك، فكتب إليه: ا ... بلغني إخرابك البلاد التي فتحتها وملكتها، وجلاء أهلها عنها، وهذا ما لا خفاء به في مخالفة أمر الله تعالى في عباده وبلاده. وأنت تعلم ما فيه من سوء السمعة وإيجاش الرعية. وقد علمت أننا لقينا اعداءنا ونحن في ثلاثين رجلا وهم في ثلاثمائة فغلبناهم، وكنا في ثلاثمائة وهم في ثلاثة آلاف فغلبناهم. وكنا في ثلاثة آلاف وهم في ثلاثين ألفا فدفعناهم. وقاتلنا بالأمس شاه ملك وهو في اعداد كثيرة متوافرة فقهرناه وأخذنا مملكته بخوارزم. وهرب من بين أيدينا إلى خمسمائة فرسخ من موضعه، فظفرنا به وأسرناه وقتلناه. واستولينا على ممالك خراسان وطبرستان وسجستان. وصرنا ملوكا متبوعين بعد أن كنا أصاغر تابعين. وما تقتضي نعم الله علينا أن نقابلها هذه المقابلة .. وأجاب طغرل بك: «يا أخي أنت ملكت خراسان وهي بلاد عامرة فخربتها، ووجب عليك مع استقرار قدمك عمارتها. وأنا وردت بلادا خربها من تقدمني، واجتاحها من كان قبل. في أتمكن من عمارتها والأعداء محبطة بها، والضرورة تقود إلى طرقها

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ١٧٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ١٧٧٢