تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6 - القوة في خدمة المجتمع الإسلامي.

قد يكون العرض الذي تضمنته الفقرة السابقة - وهو واحد من نماذج كثيرة مشابهة كافية لإبراز مجموعة من الحقائق المتعلقة بإدارة الحرب في العهد الموصوف بعهد الضعف. ولكن كيف يكون عهدة ضعيفة ذلك العهد وهو يخضع أقوى مراكز القوى؟ لقد انتصر البساسيري مرات عديدة على دار الخليفة، وأخرج الخليفة عن داره و مستقر عزه. وبالرغم من ذلك فإنه لم يجرؤ على النيل من الخليفة أو قتله. وأعلن في العراق كله الخطبة للمستنصر العلوي بمصر، ورفع أذان (حي على خير العمل في كافة مساجد العراق. لكنه لم يجرؤ على إبطال الدعاء للخليفة العباسي.

وجاء - طغرل بك - وقد دان له المشرق، فقبل الأرض بين يدي الخليفة، وقبل بده، وامتثل لأمره يوم طلب إليه مغادرة بغداد رأفة بالسكان المواطنين، ورحمة بهم. وقد تلخصت وصيته إليه بكلمة: «إقامة حدود الله - والامتثال لأوامره ونواهيه في يتعلق بالعلاقة مع المسلمين.

قد يؤخذ موقف الخليفة، وتهديده بالخروج من بغداد، احتجاجا على ظلم المسلمين على أنه موقف ضعيف و متخاذل. فخروج الخليفة هو موقف سلبي - وفقا لمعايير الأزمنة الحديثة ومقاييسها، وربما في مقاييس الأزمنة القديمة أيضا، غير أنه من الخطأ الكبير ترجمة هذا الموقف بعيدا عن إطاريه الزمني والمكاني. فقد أخذ الخليفة على طغرل بك العهود والمواثيق بإقامة حدود الله قبل استدعائه - أو السماح له بدخول بغداد - و كان باستطاعة طغرل بك اقتحام بغداد بالقوة و دون استئذان، وهو الذي امتلك أسباب القوة ودان له المشرق بالخضوع والطاعة. فلماذا يستأذن الخليفة في الدخول إلى عاصمته؟ ولماذا يلزم نفسه بالعهود والمواثيق؟ هنا تكمن الإجابة.

لقد كانت العقود والمواثيق هي أسس العلاقة الدينية بين الحاكم والمحكوم. ولم يكن باستطاعة الحاكم أو المحكوم انتهاكها. فكانت كلمة الخليفة أقوى من الجيوش، وأقوى من السلطان. وكان انتهاكها يعني منح الحرية للخليفة لممارسة دوره المضاد مع

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ١٧٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ١٧٧١