القسطنطينية مرات عدة. ولهذا فقد كانت هذه المعرفة متوافرة، وكل ما كان مطلوبة معرفته هو ما يقوم به الروم من أعمال هندسية على مقربة من الثغور مثل تنظيم القلاع، وبناء التحصينات وحشد القوات الخ ... ولكن كيف استطاعت دار الخلافة الوصول الى وسط بلاط الروم - البيزنطيين؟
ولقد عرف العصر العباسي. ومن خلال تجربة العهد الأموي أيضا. أهمية الاستطلاع للجبهة الداخلية، وضرورة معرفة ما كان يحدث من تكتلات لمراكز القوى، ومحاولات لشق عصا الطاعة والجماعة، ومتابعة التحركات المريبة. وقد ظهرت في العصر العباسي الأول - بخاصة. شواهد مذهلة عن تطور عمل شبكات العيون - الجواسيس - التي كانت تقدم للخليفة - أمير المؤمنين المعلومات الدقيقة والموثوقة والمرتبطة بأمن الدولة داخلية وخارجية، فما هو التنظيم الدقيق الذي اعتمده خلفاء بني العباس لتحقيق هذه الغاية؟
كانت أرتال التجار تجوب الآفاق بحثا عن وسائل العيش، وكانت جموع الفلاحين تمارس عملها في كل مكان، حتى في قلب بلاد العدو، وكانت مجموعات الفعلة تعمل حيثما يحتاج العمل لليد العاملة، وبالاضافة إلى ذلك، فقد كانت هناك اتصالات رسمية، وتبادل الوفود، وكان المسلمون في كل هذه المجالات وفي سواها عيونا للدولة الاسلامية العباسية. ولقد كان كل مسلم يعرف عن قناعة، ومن خلال التجربة العملية، أن أمنه الشخصي مرتبط بأمن دولته، وأن أعداء الاسلام يكيدون لكل مسلم، ولهذا فقد كان يشعر أن من واجبه جمع المعلومات بصورة دائمة للإفادة منها في الوقت المناسب، أما في حالات الخطر، وعند ظهور نوايا عدوانية، فسرعان ما كان هؤلاء ينذرون دار الخلافة بكل ما يثير شبهاتهم. بل إنهم كانوا يتوجهون بأنفسهم الى دار الخلافة لتقديم المعلومات التي يعتقدون انها ضرورية للمحافظة على أمن المسلمين. وكان الخلفاء بدورهم يستقبلون في كل وقت مثل هؤلاء الزوار، ويحصلون منهم على ما تضمنته جعبتهم من المعلومات، ويجزلون لهم العطاء عند التأكد من صحة المعلومات. ولم تكن الرغبة في الحصول على العطاء بالتأكيد، وبحسب الشواهد التي أبرزها العرض السابق - هو الحافز الأساسي لمعاناة مشقة الطريق، والتعرض للأخطار، من اجل