المعارك والوقائع ذلك التشابه الكبير في أساليب القتال. وصحيح أن قوى الردة كانت تستفيد من المبادأة عند تفجيرها للصراع المسلح، إلا أنه كان من المحال عليها الاحتفاظ بالمبادأة بصورة مستمرة. وكانت قوى الردة تستثمر إلى حد كبير قدرتها المركبة العالية لتحقيق المباغتة، وذلك بالاكثار من الكائن والاغارات، إلا أنه كان من المسير عليها وقاية نفسها بصورة دائمة من التعرض للمباغتة. وكانت قوى الردة قادرة على إعادة تنظيم قواتها بسرعة وحشد جندها وأنصارها بمرونة، ولكن الطرف المقابل لم يكن أقل قدرة على اجراء الحشد في الزمان والمكان المناسبين، واحراز التفوق على قوى الردة. وكذلك فإذا ما كان لقوى الردة أنصارها وشبكات عبونها - جواسيسها - ومفارز استطلاعها المنتشرة في كل مكان من مسرح العمليات - وحتى خارج مسرح العمليات، فقد كان لجند أمير المؤمنين أنصارهم، ولهم شبكات عيونهم، ولهم قوات استطلاعهم. وهكذا كانت قوى الطرفين متشابكة متداخلة - بعضها ببعض - مما كان يساعد أحيانا قوة أحد الطرفين المتصارعين بأكثر مما يساعد الطرف الآخر، بينما ينعكس الوضع في أحيان أخرى، وهكذا كانت تستمر لعبة الصراع القاتلة بين مد وجذر، بين نصر وهزية. فيا كان آلاف المقاتلين يسقطون صرعى على جبهتي الصراع، بانتظار الوصول إلى النصر الحاسم.
لقد أيقظ الإسلام الروح الوثابة في الإنسان، ورفعه عندما شرفه بواجب الجهاد في سبيل الله. وكانت حروب الفتح في المدرسة العملية والتطبيقية المذهب العسكري الإسلامي. وقد شاعت أسس هذا المذهب رمبادئه، واتسع نطاق حمل السلاح في القبيلة المسلحة، ولقد كانت هذه القبيلة من قبل الإسلام تعيش على الحرب. إلا أن نطاق هذه الحرب كان محدودة وفي نطاق ضبق، فلا انتشر الإسلام، وانضمت إليه شعوب شتي وأمم مختلفة اتسع مجال عمل - القبيلة المسلحة. والتي بات باستطاعة كل فرد يمتلك كفاءة قيادية عالية أن يمارس دوره فيها. وهكذا توافرت القدرة القتالية وتوافرت الكفاءة القيادية، وتوافر الهدف، فكان باستطاعة قوى الردة الاستناد إلى قاعدة قتالية قوية من الجماهير التي تمتلك الخبرات القتالية العالية. ولقد برهنت مسيرة احداث حروب الردة وتطوراتها مدى ما كان