تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القرامطة كمثل فعلهم في مرات كثيرة. وتتوافق هذه الأعمال الانتقامية مع العوامل الأساسية المحرضة للثورة وأولها - الحقد والكراهية .. وهكذا تتحكم في وسط الثورة قيمتان متضادتان. فالسلم والأمن والمحبة والاخلاص المتبادل هي القيمة المهيمنة على الثورة من الداخل، والقتل والفوضى والحقد والغدر هي القيمة المهيمنة على التعامل مع القوى المضادة. وقد تكون القيمنان المتضادتان السابقتا الذكر ما من الأمور الطبيعية الملازمة لكل تكتل بشري يريد المحافظة على وجوده وحماية نفسه. ولكن انفصال القيمتين المذكورتين عن الفضائل التي جاء بها الإسلام هو الذي حرم تلك الثورات من رصيدها المعنوي، حتى في وسط الذين عملوا مع الثورات أو الذين شاركوا فيها. وكان ذلك أحد الأسباب الرئيسية لانهيار البنيان الداخلي لتلك الثورات.

لقد عاشت ثورة بابك الخرمي في الفترة (201 - 223 ه) وعاشت ثورة الزط (219 - 220 ه) وعاشت ثورة الزنج (250 - 270 ه) وعاشت ثورة

ة (278 - 378 ه) وعاشت الدولة العلوية - الفاطمية - (299. 567 ه). فماذا يعني هذا التسلسل؟ وماذا يعني التفاوت في الفترات الزمنية التي عاشتها كل حركة من هذه الحركات الرافضة؟ لقد اكتسبت هذه الحركات قدرة متزايدة مع مرور الزمن، واستطاعت الدولة العباسية القضاء على ثورة الخرمي بشيء من الصعوبة، وأمكن لها القضاء على ثورة الزط بشيء من الجهد، وتوافرت لها القدرة للقضاء على ثورة الزنج بجهود اکبر، و بحشد امکانات اكثر، حتى إذا ما جاءت ثورة القرامطة، كانت الدولة العباسية قد استنزفت قدراتها وإمكاناتها بمثل هذه الحروب، علاوة على ما كانت تتطلبه الحروب الخارجية من الجهد. والأمر مماثل بالنسبة لشمال افريقية - المغرب العربي - الإسلامي، حيث تظهر مسيرة الأحداث أن أمراء مصر وإفريقية تمكنوا من الإجهاز على كل محاولات الردة. حتى إذا ما جاءت الحركة العبيدية، وجدت بأن الظروف قد باتت مناسبة لتطوير حركة الردة والوصول بها إلى مستوى إقامة دولة منافسة للدولة العباسية. وهكذا فإن حركات الرافضة، أو الحركات المتتالية للردة قد استنزفت قدرة الدولة عبر حروب الردة المتتالية. فالرافضة الذين لم يجردوا سيوفهم إلا ضد المسلمين، ولم يشهروا أسلحتهم إلا ضد المسلمين،

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ١٧٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ١٧٣٠