تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتحرر؟ وماذا جاءت ثورة الزنج بأكثر مما تضمنته حركة بابك الخرمي؟ ثم ماذا فعل القرامطة اكثر من السير بشوط التحلل والتحرر حتى نهايته؟ وماذا كانت النتيجة؟ ألم ينفر أصحاب هذه المذاهب من التحلل الذي كان لا بد أن يصل إليهم في النهاية؟ إنه صراع ثنائية الخير والشر، صراع الفضائل والرذائل، صراع الالتزام والتحلل. وهو ما أوضحته تعاليم الإسلام وأكدته باعتباره ظاهرة انسانية متلاحمة مع طبيعة الإنسان ذاته، وهي الطبيعة التي ما جاء الإسلام إلا لإصلاحها وتشذيبها وتوجيهها لما فيه خير المجتمعات البشرية - الإنسانية .. وإن استعراض مسيرة أحداث هذه الثورات وتطوراتها لا يخرج على هذه الحقيقة، ولا ينحرف عنها.

لقد تولى علماء الكلام وفقهاء الإسلام الرد على فكر المنحرفين؛ أئمة المسل والنحل، وزعماء الحركات الثورية. وليس المجال هنا هو مجال التصدي الإيديولوجياتهم ومثلهم وأفكارهم. ولكن قد يكون من المهم التعرض لنهجهم في العمل وأسلوبهم.

يظهر الزعيم؛ والذي تتوافر له بالتأكيد كفاءة قيادية عالية - أو کاريزما قيادية - فيبدأ بالبحث عن مجال لنشر أفكاره، ويتحسس طريقه بحذر شديد، وفي إطار من السرية، ويعتمد على الرموز والغموض في نشر دعوته. ويبدأ باستقطاب من يظهر لديهم الاستعداد للعمل، فيعدهم ويمنيهم وينظمهم، وينطلق الدعاة وهم يتظاهرون بالورع والتقوى والزهد، ليبثوا أفكارهم - الاصلاحية بحسب ما يزعمون - حتى إذا ما توافرت لهم قدرة كافية أخذوا في البحث عن قاعدة لعملياتهم، وتبدأ هذه العمليات بمهاجمة مفارز صغري وقوات منعزلة لإحراز انتصارات صغيرة ومضمونة، ثم ينتقلون وهم في حالة تحرك دائم من مكان إلى آخر وهم يجمعون المعلومات عن كل تحرك مضاد، ويعتمدون على إشاعة الرعب، وبث الذعر، لتحييد المقاومات، وعزل القوات المقاتلة. وتتجمع الانتصارات الصغرى لتفسح المجال أمام انضمام قوات جديدة ترفد الثورة بالمزيد من القوة والقدرة. ويرتبط العمل العسكري بالعمل السياسي أو العمل الاعلامي في وسط الجماهير، بحيث تحظى قوات الثورة بالمزيد من الدعم المادي والمعنوي، مما يزيدها رسوخة ومنعة وقدرة على الاستمرار والتطور.

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ١٧٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ١٧٢٨