تحقيق ذلك لو لم تكن قواعد المسلمين السنة قوية إلى درجة كافية، وصلبة إلى درجة رائعة؟ ثم ألم تهتز بغداد - وسائر بلاد المسلمين - كلما خرج الروم بانتصار لهم، مما كان يحمل الخليفة وحتى مراكز القوى المسيطرة على الخلافة - للسير مع جماهير المسلمين من أجل تحقيق التطابق بين العقيدة الإسلامية - ومذهبها العسكري. وتحكيم السلاح المجابهة كل عدوان؟ ويظهر من ذلك أن مواقف جماهير المسلمين السنة كانت واحدة في مجابهة الأعمال العدوانية الخارجية وفي مجابهة الانحرافات الداخلية.
وكانت هذه المواقف بدورها مطابقة - على الأغلب - المواقف أمراء المسلمين من الخلفاء العباسيين. ولهذا كان دور هذه الجماهير كبيرة في تسلم القيادة عندما تضعف الخلافة والاستسلام لقيادة الخلافة عندما تقوى هذه الخلافة وتشتد، فكان ذلك الالتقاء بين الخلافة - القمة - وجماهير المسلمين السنة - القاعدة - هو نقطة التوازن وهو مركز الثقل والدفع.
قد يكون من العسير؛ إن لم يكن من المحال؛ الإنتراض بأن المسلمين من السنة، كانوا جميعا على درجة واحدة من اليقين والبصيرة، أو كانوا على درجة واحدة من القدرة على الصمود والمقاومة، أو أنهم كانوا متساوين في صلابتهم وحزمهم واستعدادهم الدائم للقتال والجهاد. ولهذا فكثيرا ما كانت مسيرة الأحداث تجرف في تبارها الصاخب كثيرة من المسلمين فيسيرون في تبار الانحراف ويخرجون على الطاعة والجماعة على غير إرادة منهم أو بالتقليد الأعمى، أو سعيا وراء مغانم يغنمونها من عرض الدنيا.
وهنا يأتي دور القيادة الرائدة المتمثلة بالرجال الأتقياء من القضاة والأئمة من تتوافر لهم قدرات اكبر من تلك المتوافرة لسائر الناس. فكان هؤلاء هم الذين يتصدون لمجابهة التيار. ولقد ضمت الأوابد التاريخية شواهد كثيرة عن هؤلاء العلماء والفقهاء والقضاة والأئمة ممن رفعوا المنارات في وسط الظلمة، ولقد سقط كثيرون منهم ضحايا مواقفهم الثابتة، إلا انهم استطاعوا بأمثولاتهم الفاضلة وتضحياتهم الكبيرة وجهودهم المستمرة، ايقاظ الوعي وتصحيح المواقف وإحباط المقولات المنحرفة، وكانت أعمالهم الدؤوبة هي التي أدت في النهاية إلى حدوث التغييرات الحاسمة، وإعادة