التقدم والتحرك. فأين كانت نقطة التوازن والدفع في المجتمع العباسي الحافل بكل أنواع الهيجانات والاضطرابات؟ وكيف استطاع أمراء المسلمين من بني العباس الخروج من كل انتكاسة وهم اكثر قوة وأوفر قدرة وأعز منعة؟. وأين كان مركز الثقل والتوازن هذا؟
لقد كان مركز الثقل، و كانت نقطة التوازن والدفع - في جماهير السنة الذين بقوا وهم يشكلون القاعدة الواسعة في المجتمع الإسلامي حتى في أشد الظروف وأكثرها قسوة وأحلكها ظلمة. و كانت جماهير المسلمين من السنة تنظر إلى أمير المؤمنين على أنه ملاذها الاقامة حدود الله على أرض الله. ولهذا كان من الطبيعي أن تنتصر هذه الجماهير لأمير المؤمنين كل انحل عقد الخلافة، وكل ضعف شأنها. وكانت هذه الجماهير التي غلبت على أمرها أيضا في مرات كثيرة، تقاوم الانحرافات بطرائق مختلفة تستجيب لكل حالة من الحالات فكانت تقف موقف السلبية من الانحرافات، وتمتنع عن الانجراف في تبار ها، إذ لم تجد لديها القدرة لمقاومتها. وكانت تنتقل إلى المقاومة الإيجابية - المسلحة - كلما واتنها الفرصة لاستخدام أسلحتها. و كانت في الحالات كلها نقف متربصة، متحفزة، لمجابهة البدع والضلالات، محققة بصورة أصيلة ما هو مطلوب من تحقيق التطابق والتكامل بين الحدود ومتطلبات الواقع. وهكذا كان كل انتصار هذه الجماهير هو انتصار لأمير المؤمنين، وكانت كل انتكاسة لأمير المؤمنين هي خروج على إرادة جماهير السنة. ونشأ عن هذا العامل المشترك وحدة في المواقف، وهي المواقف التي كان لها دورها الأساسي والحاسم في الحد من غلواء الحركات الهدامة ومنع تطرفها، ثم امتصاصها وتقويها، إلى أن يصل الأمر إلى مرحلة تدميرها والقضاء عليها وتصفية وجودها المادي والفكري. ولقد ضمت الأوابد التاريخية أمثولات لا نهاية لها عن تصدي جماهير بغداد السنة، لانحرافات الشيعة ومقاومتها بضراوة وعنف، ووقفت جماهير السنة في دمشق مرات كثيرة ضد تسلط المذاهب المنحرفة - كالقرامطة - مثلا. وحتى في افريقية - قاعدة انطلاق الدعوة الشيعية العبيدية التي كانت مهد الدولة العلوية الفاطمية. ألم تعمل هذه الجماهير. وفي ليلة واحدة - على تدمير كل قواعد التشيع وتقضي على أصحابها ودعائها، وتتخلص من رموزها و انحرافاتها؟ فهل كان بالمستطاع