وقاوموها، لم يسعهم إلا الأخذ بظواهرها وفقا لما تراءت لهم، أو بحسب إدراكهم لها.
ما كان أمراء المسلمين من خلفاء بني العباس نسيجة واحدة على كل حال، لا في قدراتهم وامكاناتهم ولا في درجة تقواهم وورعهم، فهم عبيد الله، وبينهم من التباين والاختلاف أكثر ما بينهم من التشابه والتائل. ولكن بالرغم من ذلك فقد كان هناك ثمة التزام كامل بتعاليم كتاب الله وسنة رسوله، وكان هناك تبعا لذلك وضوح کامل في المذهب العسكري المشتق عن العقيدة الإسلامية. ولهذا كان يتم تطبيق المذهب العسكري تبعا للظروف المحيطة بكل واحد منهم. وعلى سبيل المثال، فقد جرد الرشيد حملة ضخمة لتأديب ملك الروم عندما حاول النيل من دولة الإسلام ومن المسلمين. وفعل المعتصم كمثل فعله، وعجز آخرون عن فعلها، فلجؤوا إلى - الفداء - والي المهادنة، ولكن مع الحرص على حدود دولة الإسلام وهيبتها وسلامة مسلميها وضمان أمنهم. وبقيت الغاية أو الهدف واحدة، لم يتبدل، ولم يتغير، ولكن جرى التباين في وسائل بلوغه وتحقيقه.
لقد فرض المذهب العسكري الإسلامي وجوده سواء على جبهات الحروب الخارجية، أو على مراكز القوى المتصارعة على الجبهة الداخلية. وهذا ما يفسر تشابه الأعال القتالية، وتماثل أساليب إدارة الحرب. وهذا ما يفسر أيضا صعوبة الصراع المسلح الذي خاضه المسلمون سواء على جبهتهم الداخلية أو الخارجية. وتعتبر هذه الأعمال القتالية النموذج الأمثل لحالات أو أشكال الحرب المختلفة: الأهلية، الدينية، الثورية، النظامية التقليدية. ويمكن عند استقراء تلك الأعمال القتالية ملاحظة استطالات أشكال هذه الحروب بحيث أنها تحاکي حروب الأزمنة الحديثة. وهذا ما يعطي للدروس المستخلصة من تلك الحروب أهميتها الكبرى باعتبارها عطاء مميزة من عطاءات (فن الحرب الإسلامي) ورسوخ أسس هذا الفن في أزمنة لم تكن فيها مثل هذه الأسس معروفة - ربما. في كل أرجاء العالم.
تحتاج المجتمعات الإنسانية - مثلها كمثل جسم الإنسان - إلى نقطة ترتكز إليها هي (نقطة التوازن والدفع) كما تتمكن من المحافظة على ثباتها واستقرارها وقدرتها على