تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد قيل - فما قيل - بأن هذا الدور السياسي هو نوع من - الماكيافيلليه أو الذرائعية. وقيل أيضا بأن الخلفاء من بني العباس قد فقدوا القدرة على توجيه الأحداث والسيطرة عليها ولم يبق لهم من الخلافة إلا رمزها - الدعاء والبردة و القضيب. فما هو نصيب مثل هذه المقولات من الصحة؟

إقرارا بالواقع، لقد انحل أمر الخلافة في مرات كثيرة، وتحكم عدد من قادة مراكز الخلافة بالخلفاء - في قتلهم وعزلهم وتنصيبهم .. ولكن وحتى في مثل هذه الحالات، فقد استمر أمراء المؤمنين في ممارسة دورهم من خلال مبدأ. الطاعة والجماعة -. واحتفظ الخلفاء بهيمنتهم الروحية - المعنوية - وهذا ما ساعد الدولة العباسية على النهوض بعد كل كبوة، ومكن لها من الاستمرار رغم كل المعوقات والعقبات. و مهد لها لاستعادة قدرتها بعد كل انهيار أو ضعف. ومرة أخرى، لم يكن ذلك إلا نتيجة طبيعية من نتائج تلاحم المذهب العسكري بالعقيدة الدينية. فالفضل كله للإسلام وما يتضمنه من قدرة ذاتية وللخلفاء المسلمين الذين لم تحرقهم التيارات القوية، ولم ترهبهم اعمال القتل والعزل، لينحرفوا عن هدفهم في خدمة الإسلام وأهله من خلال تحقيق التطابق بين الهدف والوسائل. ولهذا، وحتى في أشد الظروف قسوة، وأحلكها قتامة، بقي الخلفاء هم المنارات التي بلون بها المسلمون لتجاوز محنهم وللخروج من نوائب أيامهم قد تظهر القضية للوهلة الأولى؛ وعلى ضوء ما سبق ذكره، على أنها قضية دفاع عن الخلافة العباسية، أو صدة لافتراءات ألصقت بأمراء المسلمين من بني العباس. ولكن الأمر ليس كذلك. ولو أنه من واجب كل انسان مسلم الدفاع عن فضائله وقيمه قدر استطاعته؛ بل وبأكثر مما تحمله طاقته. إن القضية ببساطة هي التأكيد على حقيقة تاريخية برهنت التجارب المتتالية على صحتها: منذ أقدم العصور وحتى الأزمنة الحديثة، فقضية التلاحم بين المذهب العسكري وعقيدته التي استمد أسه منها، هو المبدأ الثابت في حياة كل أمة أحتلت مكانتها اللائقة بها تحت الشمس، ولعل التاريخ لم يعرف تجربة طويلة الأمد، حفلت من الغني بالدروس کمثل التجربة الإسلامية التي نسج العرب المسلمون سداها ولحمتها، ثم تابع المسلمون في كل أرجاء الدنيا الأخذ بنهجها والسير على هداها. وحتى أولئك الذين عارضوها

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ١٧١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ١٧١٩