السابق - في الفصلين الأول والثاني .. ولكن كيف
تم
التجربة التاريخية غير العرض ذلك؟
لقد وقف خلفاء بني العباس على قمة هرم الدولة وهم يرقبون ما حولهم. بقلب مؤمن و عقل منفتح، فوجدوا مراكز القوى المتناثرة، هذه المضادة للإسلام والمسلمين، وتلك الملتزمة بكتاب الله وسنة رسوله. فكان الحل الأوحد هو في دعم هذه ضد تلك. وحشد القوي ضد الاتجاهات المنحرفة، وضرب مراكز القوى بعضها ببعض، ولقد انهم - المستشرقون والمستغربون - خلفاء بني العباس بالمكر والخبث وسوى ذلك من الأوصاف والنعوت لهذا الدور الموصوف - بالدور السياسي - الذي اعتمد على ضرب مراكز القوى بعضها ببعض؛ وتأليب بعضها على بعض، واستثارتها بعضها ضد بعض. فهل كان باستطاعة خلفاء بني العباس تحقيق التطابق المطلوب والوصول الى التكامل بين الهدف والوسيلة بغير ذلك؟. وهنا لا بد من وضع الأحداث في إطاريها الزمني والمكاني، فلقد كان من المحال في تلك الحقبة الزمنية ضمان - مركزية الدولة - بشكل دائم. و كانت المساحة الجغرافية الشاسعة لاقاليم العالم الإسلامي، وصعوبة الاتصالات، وما تتطلبه التحركات من فترات زمنية متطاولة، ثم تعاظم قدرة مراكز القوى بما تضمه من طاقات بشرية ضخمة، وغير ذلك من العوامل، هي مما فرض القيود على
عمل القيادة العليا الممثلة - بالخليفة أمير المؤمنين .. وقد يكون من الصعب عند استعراض مسيرة الأحداث افتراض حلول للمشكلات أفضل من تلك التي تم تطبيقها في إطارها الزمني والمكاني.
لقد تشكلت مراكز القرى، ولم يكن لأمراء المسلمين - أو الخلفاء - دور في تشكيلها، وفرضت مراكز القوى هذه وجودها بقوة السلاح، فكان لا بد من ضربها بعضها ببعض، فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، وهكذا كان. ولقد جاءت النتائج كلها لتبرهن على صحة الإجراءات التي اتخذها خلفاء بني العباس. وهذا ليس دورة سباسبة بقدر ما هو دور عقائدي ثابت بتلاحم فيه المذهب العسكري بالعقيدة الدينية.