تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المتصارعة. فلا غرابة أن يحاول الروم - على الجبهة الخارجية. وأن يحاول الزنج والقرامطة وسواهم - على الجبهة الداخلية - رفع الشعارات الإسلامية ذاتها، وتطبيق الأسس القتالية ذاتها. ويمكن اعتبار هذه الظاهرة برهانة حاسمة على قوة الإسلام في حد ذاته، ولو أن الإسلام ليس في حاجة لمثل هذا البرهان، كما يعتبر برهانة حاسم على ما قدمه العرب المسلمون من عطاء في مذهبهم العسكري، وليس العرب المسلمون بحاجة أيضا لمثل هذا البرهان، ولكن المهم هو أن التطورات المستحدثة في العصر العباسي قد وضعت الإسلام ووضعت العرب المسلمين خاصة أمام اختبار عسير، وأمام ابتلاء صعب، فكان على خلفاء بني العباس الصمود أمام هذا الاختبار، ومجابهة هذا الابتلاء. وقد تمكنوا صدقة وحقا من الصمود رغم ما نزل بهم من النوائب، وجابهوا الابتلاء رغم ما تعرضوا له من الكوارث والنكبات.

لقد كان على خلفاء بني العباس - من أول أمرهم وحتى نهايته - ان يحققوا التطابق والتكامل بين العقيدة الدينية والمذهب العسكري، والقضاء على كل انحراف. ولقد أستطاعوا في الواقع تحقيق هذا الهدف بنجاح رائع رغم كل ما اتهموا به من قصور

تقصير، وهو قصور لم تكن لهم إرادة فيه على الأغلب، وتقصير كان خارجا على قدراتهم وإمكاناتهم. ولكن المهم في الأمر هو أنهم ما انحرفوا عن هدفهم، ولا حادوا عن جادة سبيلهم، ولقد وصلت دولتهم في حالات كثيرة إلى مرحلة الانهيار الكامل. ولكن وحتى في مرحلة الانهيار، بقي خلفاء بني العباس يحققون ذلك التكامل والتطابق، فهم لم يتنازلوا للزنج رغم قوتهم الكبيرة عن شيء مما يتعلق بالحدود - حدود الله وهو حق لا يمتلكونه أصلا. ولكن التزامهم هذا كان هو الموجه لأعمالهم جميعها. والأمر مماثل عند مجابهة حركة - القرامطة .. لم يهادنوها رغم قوتها وانتشارها، ولم يحاولوا التسليم لها رغم قدرتها. وكذلك أيضا عند مجابهة الدولة العلوية الفاطمية - في مصر، فخاضوا الصراع المرير ضدها عبر مئات السنين في إطار اتجاه ثابت ونهج واضح. فهل انتصر خلفاء بني العباس بفضل تمسكهم بالعقيدة الإسلامية دينا وبالمذهب العسكري تطبيقة والتزاما؟ أجل. لقد نصروا الله فنصرهم، ويسر لهم السبل التطبيق المذهب العسكري. تلك حقيقة لا تقبل الجدل أو النقاش وفقا لما أكدته

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ١٧١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ١٧١٧