تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد:

فمن تحت شجرة سمرة في سفح جبل يطل على معسكر سلمان بدأت انظر إلى الخيام التي تكاد تشتعل من الحر اللاهب، ولفح الهاجرة تحرق الوجوه، والافواه لا تكاد تستطيع ان تفتح أشداقها لجفاف لعابها، ونحن في العاشر من رمضان، وعندها بدأت الافكار تنثال علي والاسئلة تتزاحم في مخيلتي والسؤال الكبير الذي فرض نفسه:

كيف يصبر هؤلاء المجاهدون في هذه السنوات السبع العجاف لقد فقدوا كل شئ في هذه الدنيا؟

همم عالية . .

تركوا الارض العزيزة التي عليها دبوا ونبتوا، فما وهنوا ولا استكانوا، فقدوا الأم التي اغدقت عليهم من حنانها حتى شبوا على اقدامهم، تحول البيت الذي يقطنون ميتما ففيه الارامل والمشوهون والعجز، والبيت لا يتعدى خيمة تضرب الريح في ارجائها وتقتلع اطنابها، وبعد هذا كله فمسيرة الجهاد مستمرة والنفسيات عالية والهمم مرتفعة ولم يذل هذه الهامات استمرار المحن وتوالي المصائب:

(وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما اصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين)

(الآية 146 آل عمران)

ومقابل هذا جنود الروس تحميهم الاساطيل البرية والجوية وطعامهم خاص يعيشون في معسكرات مدججة بأحدث الاسلحة وما ابتكره العقل البشري من اسلحة واجهزة المراقبة والاضواء والاسلاك والالات الحديثة الالكترونية.

خواء الإلحاد:

ومع هذا كله يعيشون في فزع رهيب ورعب عجيب فروسيا تضطر لتغيير قواتها داخل أفغانستان كل ستة اشهر إلى سنة.

سألت أحد الأسرى الروس واسمه عبدالحليم (كما سماه المجاهدون) فقلت له: كيف تعيشون في داخل معسكراتكم؟ فأجاب: كنت ضمن حامية في مطار في شمال أفغانستان ومع ذلك لا نضع رؤوسنا ليلة إلا ويكون الحديث الاخير الذي نتهامس به بيننا: الليلة يأتي ل محمد ويذبحنا، واكثر ما يخشاه جنود الروس أن يذبحهم المجاهدون بالسكين.

قارنت في نفسي بين هذه النفسيات المهزومة في اعماقها المضطربة في حياتها واعصابها وبين المجاهد الذي فقد كل شئ ومع ذلك فهمته كالسيف عزما ومضاء.

عندها جاء الجواب: إنه الايمان بالله الذي غرس الاخلاق الاسلامية الرفيعة في نفوس هؤلاء وعلى رأس قائمة هذه الاخلاق الصبر والشجاعة والعزة والكرم والكرامة.

ان كل واحد منهم يمثل أسدا رابضا في عرينه لايستباح حماه ولا يقتحم بيته.

في خضم المعركة · الصفحة ٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

في خضم المعركةص ٢٥