التقيت بهم وبدأوا يتحدثون بوقائع تحسبها ضربا من المزاح أو نوعا من المجاز لتقريب الصورة الى ذهن السامع وليست حقائق تجري أحداثا يومية في الساحة الواسعة حول كابل التي طالما تغنت بالشيوعية ودوت ارجاؤها بشعاراتها.
التقيت بالقادة محمد أنور والقاري محب الرحمن وأمير صوفي رسول من استالف وقره باغ وسلطان محمد من بغرام وجمعة خان من كوشي وأختر محمد قائد في شكردره فطلبت منهم أن يحدثوا عما جرى على أيديهم أو رأوه بأم أعينهم وكان البيت ممتلئا بالقادة والمجاهدين وكان الأستاذ رباني وعبد الله أنس بين الحاضرين .
وقد ذكرتهم بالله أكثر من مرة وقلت لهم : نحن ننقل الى العالم الإسلامي وأنتم مسؤولون عن كل كلمة بين يدي الله غدا، .فافتتح الحديث أختر محمد باللغة الفارسية مع أنه يستطيع أن يتعتع بالعربية ويتكلم بها بصعوبة بالغة . وكان يتناوب الترجمة الشيخ رباني والأخ عبد الله أنس .
قال أختر محمد : كان الروس قبل عدة أعوام يقولون للشيوعيين الأفغان أفغانستان إما أن نحكمها أو يحكمها الباسماش (الأشرار) الذين يعيشون في الجبال -يعنون المجاهدين- أما أنتم فلن تستطيعوا أن تثبتوا أقدامكم فيها .
وقد جاء الزمن بمصداق ما كان الروس يرددونه. فمنذ أن أعلن "غوربتشوف" عن موعد انسحاب الروس حتى الآن والروس الذين في أفغانستان لا تكاد الدنيا تسعهم فرحا وغبطة و هم يعدون الأيام التي يقطعونها حتى يأتي موعد خروجهم وهم يتصلون بالمجاهدين قائلين لهم:
نحن في هذه الأيام ضيوف عليكم فدعونا ودونكم بني جلدتكم .
بل أخذ الروس يتسلون بمرأى الشيوعيين الأفغان يقادون الى الموت على أيدي المجاهدين ويرون في هذا تنفيسا لأحقاد حبيسة وآلام عميقة وجراحات غائرة خلفتها في مسارب نفوسهم هذه المجازر التي شهدوها ، وكانت ثمنا للأمجادالشيوعية التي كان يحلم بها أمثال تراقي وحفيظ الله أمين وكارمل ونجيب، ثم تبدت سرابا للناظر أو سحابة صيف عن قليل تقشع .
لقد شعر الروس أنهم خ دعوا من قبل الحزب الشيوعي الأفغاني اذ صو روا لهم أن أفغانستان طعم سائغ وصيد ثمين فيما لو تخطت أقدام الجيش الأحمر نهرجيحون (أموداريا) فانزلقت أقدام الدب الأحمر الذي تحطم على صخرة المقاومة الإسلامية التي تفجرت في أعماق هذا الشعب الأبي المسلم .
حدثني أحمد شاه مسعود قال : لقد عرض على الروس سنة 2891 هدنة مؤقتة لمدة ستة أشهر ، وجاء الدبلوماسي الروسي وجلست معه عدة ليال وفي الليلة الثالثة وإذا بالكلام ينساب على لسانه ينفس فيه عن آلام حبيسة في صدره فقال :
(أنت لاتعلم الحالة النفسية التي نعيشها ، لقد ادخلنا "بريجنيف "الأحمق هذه الأزمة الخانقة والدوامة العنيفة التي لانعلم لها حلا ، اننا نشعر كأننا مقيدون بالأغلال ونبحث عن طريقة فك هذه القيود) ، ثم قال مسعود:( وهممت أن أسجل هذا الكلام في ليلة لاحقة ولكني رأيت أن علو النفس تأبى علي استعمال هذه الأساليب الخسيسة وترفض هذه الوسائل الدنيئة ) وكان مير داد المسؤول الشيوعي البنجشيري في الجلسة فأشار اليه الروسي قائلا : إن هؤلاء - بائعي الوطن -