تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيه التكبير وعلا فيه الهتاف وأما أحمد شاه مسعود فلم يتكلم سوى أنه أشار إلى أرينبور بأن يتكلم ثم ركبنا الجرد الأبابيل من العتاق المذاكي وانسابت بنا الخيول متوجهة إلى قاعدة (كران ومنجان) وعلى الطريق كان أحمد شاه يتكلم مع رباني وعبد الله أنس يترجم لي ونحن نمتطي صهوات الجياد.

خيول لاتضاع إذا أضيعت خيول الناس في السنة الجماد

ينازعن الأعنة مضيعات إذا نادى إلى الفزع المنادي

فقلت للشيخ رباني ممازحا ، قل لمسعود أين ذهب لحمك (فما هو إلا الجلد والروح والعظم). ثم قلت له بيت المتنبي:

كفى بجسمي نحولا أنني رجل لولا مخاطبتي إياك لم ترني

فابتسم وتكلم مشيرا لعبد الله أنس: لقد قلت له (لعبد الله أنس). إذا رجعت وحدك فلن نسمح لك بدخول "بنشير". وعبد الله أنس له مكانة مرموقة في قلب أحمد شاه وفي نفوس أتباعه، وكان عبد الله أنس إذا ظهر بين المجاهدين أشارت إليه الأصابع وبدأت الألسنة تردد اسمه، وهو شخصية إسلامية متوازنة ذو أفق واسع، يجد مدخله إلى قلوب مستمعيه ويختلس أفئدة المحيطين به ويأخذ بألباب الذين يصغون إلى كلامه، وطوينا ليلتنا في "كران ومنجان" وفي الصباح خرجنا على الخيول وبدأ أحمد شاه يشرح لنا عملية احتلال كران ومنجان.

فقال : لقد كان الفتح كرامة ربانية قبل كل شيء. ثم بدأ يرينا الجبال التي تسلقها المجاهدون وتعجب كيف استطاع المجاهدون أن يتسلقوها وهي قائمة تناطح السحاب كأنها جدار أملس، وكم يشدك تصميم هؤلاء وعزيمتهم، وطاقتهم، قال مسعود:

لقد تسلقوا هذه الجبال خمس ساعات متواصلة في التسلق وشدة البرد تجمد الأطراف وبعضهم يحمل الدوشكا على ظهره وآخر مدفع (75) وثالث مدفع (82) ولولا أني كنت أسمعها من فم مسعود لما كدت أصدق أن طاقة البشر تستطيع القيام بهذا العبء الثقيل. وتحمل هذا العناء وتطيق هذا البلاء، وقال مسعود: لقد كنت لا أستطيع أن أضغط على اللاسلكي لشدة البرد حتى أتكلم فيه، ونفد الطعام وطلب مسعود من إرينبور أية قطعة خبز أو حبة من الحلوى فلم يجد، ومع أن الحصون التي كان يقبع بها الأعداء جد منيعة لا يخترقها رصاص ولا قذائف وهي ممتدة على طول خمسة كيلو مترات إلا أن الله قذف في قلوبهم الرعب

سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين

الآية(151) آل عمران.

واقتحم المجاهدون على الكفار حصونهم وكانت مقاومة شرسة وانقضوا عليهم كالصواعق:

همام إذا ما فارق الغمد سيفه وعاينته لم تدر أيهما النصل

ولم تمض سوى ساعتان إلا ربعا حتى استسلمت جميع المراكز

أرى كلنا يبغي الحياة لنفسه حريصا عليها مستهاما بها صبا

فحب الجبان النفس أورده التقى وحب الشجاع النفس أورده الحربا

في خضم المعركة · الصفحة ١٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

في خضم المعركةص ١٨٨