تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الطريق ومع هذا لا يطمع من المجاهدين بدرهم ولا دينار ولا تكل أزواجه وأهله عن الطبخ والخبز وتقديم الطعام الذي لا يقل عن الخبز والشاي، فقلت له: يا حاج متين (أنت مثل حاتم طائي) الذي كان يقول لغلامه:

أوقد يا غلام فالليل ليل قر والريح يا غلام ريح صر

إن جلبت ضيفا فأنت حر

فقال لا أطمع من أحد بشيء إلا إذا كتب الله لنا الحج على أيديكم. وبتنا أسفل الجبل الثاني الذي يعترض القادم إلى الشمال اسمه "كافر كوتل" وقد أطلق عليه الأستاذ رباني "مجاهد كوتل" وهو يرتفع أكثر من أربعة آلاف متر فوق سطح البحر وقد استغرق تسلقه (سبع ساعات ونصف) ولا يستطيع أن يتسلقه حصان ولا بغل إلا إذا كان خاليا من راكبه، وفوق قمة الجبل جلسنا ووج ه الأستاذ رباني كلمة للمجاهدين.

ثم بدأنا ننحدر من قمة الجبل إلى السفح وقد استغرق نزولنا الجبل قرابة ثلاث ساعات وهذا الجبل هو الفاصل بين نورستان وبدخشان، وفي خضم الجبل توجد ثلاث طائرات منها طائرة لاتزال تحتفظ بجديتها وآلاتها ولم يأكلها الصدأ بعد، وفي غابة صغيرة رأينا المجاهدين الذين يرتدون الألبسة الخاصة (أردية الجيش وبأحذية ذات نوع واحد) وقفوا في انتظارنا واستقبالنا وكانت هذه المجموعة المتقدمة عبارة عن سرية متقدمة لأمنيات الطريق وتأمين المبيت في هذا المكان، وبتنا في وسط هذه الغابة التي تسفح سبرات رياحها الوجوه وتلذع نسماتها القارسة الأعصاب، وقد تناولنا طعام العشاء من لحوم الظباء (الغزلان) وكانوا قد اصطادوا لنا مجموعة من الغزلان وفي الصباح غادرنا وسرنا حتى زالت الشمس وشارفت الساعة الثانية ظهرا وإذا بأخوين عربيين (أبي طه العراقي، شقيق ياسين وأبي أيوب، والثاني الأخ يونس المصري) وكان لقاء حارا وعناقا يعبر عن أخوة عميقة وأشواق دفينة لم يتمالك أبو طه نفسه حتى فاضت العبرات وسالت الدموع على الوجه سيلا .

قال أبو طه: نحن عائدان إلى باكستان ولكن قدومكم جعلنا نغي ر خطتنا فلابد من مرافقتكم بضعة أيام حتى نقوم ببعض الخدمة وكانا مستأجرين لفرس معها صاحبها وفرس آخر لهما خاصة -ملكا لهما - فسر حا صاحب الفرس ودفعا له الأجرة ثم عادا أدراجهما يرافقاننا هذه الرحلة. وأخبرنا أبو طه: إن الأمير على بعد ساعة، وكلمة الأمير إذا أطلقت في جهة الشمال فإنما تعني أحمد شاه مسعود.

وبعد قليل وإذا بمسعود وأرينبور ونجم الدين ينتظران على تلة، وترجل الأستاذ رباني وترجلنا وكان عناقا حارا بيننا وبين هولاء القادة الثلاثة ووقفت وكأنني لأول مرة أرى الجهاد أمام سرية تعدادها مائة مجاهد منظمة واقفة في طابورين عسكريين بأسلحتهم، ذوي بزة عسكرية متشابهة ووقفة تنم عن العزة وتحيي في أعماق النفس الافتخار بهذا الدين الذي يضمنا وبهذه القيم التي تجمعنا وتحت راية لا إله إلا الله التي تلفنا.

سالت من الغاب الشبول غلابها لبن اللباة وهاج عرق الضيغم

لينم أبو الأشبال ملء جفونه ليس الشبول عن العرين بنوم

وتقدم قائد السرية وألقى التحية العسكرية للأستاذ رباني وتكلم الأستاذ أرينبور كلمة حيا فيها القادمين، ثم تكلم الأستاذ رباني كلمة طويلة وقدمني وتكلمت عن دور الجهاد الأفغاني في صناعة التاريخ الإسلامي من جديد، وكان لقاء تاريخيا ودوى

في خضم المعركة · الصفحة ١٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

في خضم المعركةص ١٨٧