وذلك لأن الشعب كله اخترط سيوفه منافحا عن عرضه ومكافحا عن دينه وكل واحد يقول:
فالموت أعذر لي والصبر أجمل بي والبر أوسع والدنيا لمن غلبا
واضطرارهم للحياة مع جميع طبقات الناس من مفرط ومقصر ومخطئ ومتعثر وصادق وملتزم أعطاهم من التجربة والخبرة والحنكة من خلال المعاناة المريرة في رفع المستويات، ومحاولة ايجاد التناسق بين هذه المستويات المتباينة التي تعيش في قاعدة واحدة وتواجه عدوا واحدا خلال عشر سنوات متواصلة في حياة واحدة تحت ظل سقف واحد تجمعهم مائدة واحدة ويتحركون حركة واحدة كأنهم جسد واحد.
بينما الدعوات الإسلامية في كثير من أقطار العالم الإسلامي تعيش في مجتمعات خاصة نظيفة لا تلتقي مع سائر طبقات الناس الإيمانية إلا في المحافل والندوات والخطب والاجتماعات.
(6) والمشاكل التي كانت تواجه القادة عبر هذه السنين أعطتهم مراسا للحكم وهذه الممارسة للحكم والدربة على القيادة السياسية والعسكرية لم تكن من خلال صفحات الكتب فوق مقاعد الدراسة في كليات الإدارة، بل كانت خبرة عملية أورثت نضجا سياسيا وعمقا في النظر فرضتها -بقدر الله- الأحداث الضخمة والعقبات الشاقة التي تواجههم على صعيد الواقع.
ولذا فلو أخذنا كمثال: أحمد شاه مسعود، أو المهندس بشير أو الشيخ جلال الدين.. كل واحد من هؤلاء مفروض عليه أن يجد حلا للمشاكل الاجتماعية، ولقضايا الجفاف التي تعض المنطقة بنابها، وعليه أن يوجد حلا لقضايا الجراح التي لا تكف عن النزيف، ولمشاكل الأيتام والأرامل، ولابد أن يبحث عن وسيلة لايجاد مخرج لمئات الألوف من الأولاد الذين لا يعرفون القراءة، فلا جرم أنه مضطر لفتح بعض المدارس ولو في كهوف الجبال أو تحت الشجر.
فكل واحد منهم: إنما هو: حكومة قائمة بذاتها:
فهو كرئيس الوزراء وفي نفس الوقت فهو وزير الصحة والتربية والتعليم والدفاع والشؤون الاجتماعية والزراعة والإعلام والإرشاد.
وقد سألني بعضهم: أو تظن أن الأفغان يستطيعون إقامة دولة إسلامية بأنفسهم؟
والجواب كما مر : أن القادة قد تمرسوا على الحكم خلال فترة الحياة بين فكي الموت، وإذا كان بعض العسكر قد وصلوا إلى الحكم من خلال البيان الأول في الدول العسكرية الثورية، دون أن يعرف عنه سابقة حكم ولا صبغة إسلامية ولا نشأة حركية ولا ذكاء ملموس ولا خلق آسر آخاذ، أفلا يستطيع هؤلاء القادة الحكم؟! وبعد هذه المسيرة الطويلة من تربية عميقة نظيفة في ظلال القرآن إلى فارس يمتطي صهوات العتاق المذاكي إلى قائد يفقد أبناءه الذين تربوا على يديه الواحد تلو الآخر يتجرع الغصص ويتلوى بالآلام ويدفن قلبه مع كل شهيد؟
ناموس وقانون انشاء المجتمع المسلم :