ولذا بقي مصعب بن عمير معلما بارزا في دنيا الصحابة وبقيت ذكرياته تستجيش أعمق العواطف وتستنهل العيون بالعبرات ولذا فعندما وضع طعام شهي أمام عبد الرحمن بن عوف استعبر (بكى) وقام وذكر مصعبا .
يقول خباب بن الأرت رضي الله عنه
[هاجرنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نلتمس وجه الله تعالى فمنا من مات ولم يأكل من أجره شيئا منهم مصعب بن عمير رضي الله عنه ومنا من أينعت (نضجت) له ثمرته فهو يهدبها (يقطفها)
متفق عليه (2).
والآن : لقد استشهد أكثر من تسعين بالمائة من أبناء الحركة الإسلامية ولم يأخذوا من الدنيا شيئا بعد.
(3) إن عمر الحركة الإسلامية الأفغانية صغير جدا ، ولم يتغلغلوا في مناصب الدولة ولم يرتقوا في سلم وظائفها وكانت أكبر وظيفة لديهم عمادة كلية الشريعة بيد غلام محمد نيازي -رحمه الله- ولذا فلم يكن لديهم مناصب كبرى يمكن أن يساوموا بها على المبادئ نفسها اتباعا لقاعدة: (اختيار أهون الشرين) (إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمها ضررا بارتكاب أخفهما).
ولذا بقيت المبادئ واضحة ناصعة وما اعتراها لبس ولا غموض ولم يعش الدعاة حياة متناقضة بين مبادئ معلنة وبين مواقف عملية تمليها عليهم مصلحة الدعوة محافظة على مكاسب بين أيدي الدعاة قد تتعرض للزلزلة فيما لو وقف الدعاة وقفة المباينة والبراء من النظام القائم.
ولم يعش جمهور المسلمين حيرة قاتلة ازاء التناقض في حياة بعض الدعاة بين نهج مرسوم وواقع عملي يومي، وبقيت المبادئ المعلنة مشرقة لأن السلوك الذي يحياه الدعاة كان الصورة الصادقة والترجمة العملية للكلمات والشعارات والمبادئ.
(4) إن الجهاد الإسلامي الذي خاضت غماره الدعوة الإسلامية وكانت رأس الحربة فيه وقذفت فيه بأفلاذ أكبادها وضحت فيه بأغلى ما تملك من أبنائها أدى إلى انضاج نفوس شبابها الباقين على قيد الحياة وتصفية أرواحهم وإلى صلابة عودهم، ولذا فإنك تجد فرقا هائلا بين نفسية هؤلاء الشباب الذين تتردد أسماؤهم على جميع الشفاه كسي اف وحكمت يار ورباني وخالص، أقول: هنالك فرق كبير بين نفسية هؤلاء الدعاة عام 1975 ونفسيتهم عام 1988، بعد أن أمضوا مرحلة تساوي المرحلة المكية تماما -ثلاثة عشر عاما - في أتون القتال وبين حجري الرحى، وأصبحت كبرى المشاكل في أعينهم جد صغيرة.
إذا اعتاد الفتى خوض المنايا فأهون ما يمر به الوحول
(5) إن المعركة التي عركت أبناء الحركة الإسلامية اضطرتهم أن يعيشوا مع جميع طبقات الشعب
فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير
الآية (22) فاطر.