الإسلامية فكتب الله أن تهزم روسيا ويسحق عملاؤها، وكانت نقلة واسعة خطتها الحركة الإسلامية عبر مسيرة المعاناة تجرعت فيها الحركة من المرارة وتكبدت من الآلام، وتقلبت في أتون ملتهب من المآسي ما شابت له النواصي، وخلال هذه المحن نضجت نفوس الذين عاشوا الأحداث، والنضج النفسي والصفاء الروحي واشراقة القلب تكون ثمرة طبيعية، ونتيجة منطقية يهديها الله -عز وجل- للصابرين، وهذه بركة الصبر:
إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين
الآية (90) يوسف.
وخلال هذه الطريق المريرة الوعرة التي تجثم الأخوة مشقة اجتيازها بلغت الحركة عموديا -من حيث البناء الذاتي- شأوا بعيدا وكذلك فإن الانتشار الأفقي بين الناس كان كبيرا جدا .
أما من حيث الارتقاء الروحي والربانية في الحياة فإنك تلمسها من خلال مواقف أفرادها وقادتها أمام الأعاصير العالمية الهوجاء التي تريد أن تعصف بهذه الحركة التي لا زالت ومنذ أول يوم تمسك بزمام التوجيه وعجلة القيادة، فقد وقف القادة مواقف سامقة أمام دهاقين السياسة العالمية وصانعي قرارات الأمم، هذه المواقف تعيد إلى أذهاننا سيرة السلف وتحيي في أعماقنا قصص عبد الله بن حذافة السهمي أمام قيصر وربعي بن عامر في إيوان رستم يوم أن اقتحم بفرسه داخل الأيوان تطأ سنابك فرسه طنافس رستم والزرابي ويربطه بنمرقة من نمارقه.
وهذا الاستعلاء الإيماني الذي تمثل شامخا في مواجهة ساسة الدنيا وعلى رأسهم "ريغان" لم يكن لينتج من فراغ أو ي ربى من خلال صفحات الكتب وخطب المنابر لقد كان هذا الاستعلاء ثمرة مباركة للصبر الطويل عبر المعاناة المريرة الأليمة.
النقلة الواسعة :
لقد كان البون شاسعا بين تلك الأيام التي كان يرسم فيها المهندس حبيب الرحمن الشهيد (الأمين العام للحركة) الكلاشنكوف على الأوراق ثم يشرحه في أعماق الغرف الظلماء للذين يربيهم على حب الجهاد وبين هذه الأيام التي يلعب فيها الأطفال بالقاذف الصاروخي "آر. بي. جي." الذي يحطم الدبابة، والحركة الإسلامية وهي تعلن قرارها بالمواجهة المسلحة في وجه داود، لم يكن بوسعها يومئذ أن تتملى في خيالها مجرد تصور هذه القمة السامقة التي بلغتها بالجهاد المبارك، فلم يكن لديها من بين أبنائها كلهم رجل يستطيع استعمال القاذف سوى "أحمد شاه مسعود"، والآن أصبح استعمال القاذف -هذا- من هوايات الغلمان الذين لم يبلغوا الحنث بعد.
القرار التاريخي :
لقد كان قرار المواجهة المسلحة لداود خارقا لتفكير الإنسان العادي، خاصة وأن القرار قد صدر من ثلاثين شابا قد التفوا حول "برهان الدين رباني" و"حكمت يار" في بيشاور - بعد نجاة هؤلاء الشباب من قبضة داود الحديدية التي كانت ترتجف لذكرها أوصال أفغانستان وتحسب لها ألف حساب.