ولقد رأيت المرأة الأفغانية أثناء هجرتها تمسك ابنها بيد وتمسك بالأخرى نقابها الذي تخشى أن يسقط عن وجهها على طول طريق العرق والدم والمرارة والحرمان وهي تكابد حرارة الجو اللاهبة ولفح الهجير في حم ارة القيظ.
ويرى الأفغان أنه من العيب أن يلقي الرجل عمامته ويكشف رأسه مهما كان الحر شديدا والريح سموما ، وكنت أعجب لهذا كذلك.
أما عن احترامهم للشعائر الإسلامية وأهلها فحدث عنه ولا حرج :
فعلماؤهم وحفظتهم يحتلون مكانة مرموقة في المجتمع وفي أعماق قلوب أبنائه، فالعالم والقارئ والحافظ : لا يمكن أن يلفظها الأفغاني إلا مصحوبة (بصاحب) أي المحترم. وابن العالم : اسمه مخدوم فكل اسم تسمعه يبدأ بمخدوم فهذا يعني أنه ابن عالم أي يجب على الشعب خدمته.
وتجد الأفغان جميعا مؤمنهم وفاسقهم وفاجرهم يجل العالم ويحترمه.
يقول سياف : كنت سجينا مع كبار المجرمين ومهربي المخدرات فكانوا لا يصلون ولكنهم يصطفون أمام مصلى السجن ينتظرون خروجنا حتى يصفوا لنا أحذيتنا إجلالا واحتراما ، وعندما ح كم على الشيخ سي اف بالإعدام استعد أحد كبار المهربين أن يدفع عشرين مليونا لمدير السجن لإخلاء سبيل سياف.
لقد سمعت الشيخ يونس خالص -أمير الحزب الإسلامي والناطق باسم الاتحاد الآن-يقول (إنني احترم سي افا لأنه أستاذي في الحديث) رغم أن الشيخ يونس ناهز السبعين وسياف لم يبلغ الأربعين.
أما عن القرآن وأهله :
فحامل القرآن له توقير عجيب وإجلال غريب واحترام كبير في نفوس الأفغان فالأفغان يحملون أمتعتهم وأسلحتهم على الخيول والبغال ولكنهم يرفضون أن يضعوا عليها المصاحف مهما كانت ثقيلة وناءت بحملها كواهلهم.
ولا يمكن للأفغاني أن يتقدم على حامل القرآن أو يسبقه في شيء أو يتصدر عليه في مجلس.
قال لي سعيد الجزائري : علمتهم القرآن وعلموني أدب القرآن.
وحدثني قائلا : كنت أعلم سرية من سرايا أحمد شاه مسعود في تخار القرآن فكانوا يهابون أن يمزحوا أو يهزلوا أو يمدوا أقدامهم أو يعبثوا بثيابهم أو لحاهم في حضرتي.
ويقول : كانت أسر تنا التي ننام عليها غنائم روسية مكونة من طابقين فكان مهجعي في الطابق العلوي من السرير وفي السفلي أحد المجاهدين الأفغان، وذات ليلة جلست في الطابق السفلي قرب المدفأة فأخذني النوم العميق ولم استيقظ إلا في منتصف الليل وإذا بالأفغاني -صاحب المكان-واقف فوق رأسي فسألته ما بالك؟ فأجاب : أريد النوم فقلت له : هلا نمت في الطابق العلوي للسرير فقال : معاذ الله أن أنام فوق القرآن الذي في صدرك!!
يقول الأخ الحبيب عبد الله أنس (القرآن مفتاح قلوب الأفغان).
المروءة والكرم وخاصة إكرام الضيف