ولذا كان الحفاظ على هذا الود ومقابلة هذا الجميل بالوفاء والبر فريضة من فرائض الإسلام مقرونة بكلمة التوحيد :
وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا
(الآية 32 الإسراء)
ويعتبر العقوق قرينا للكفر، ويحتل احترام الأم منزلة رفيعة في سلم الإسلام وله ثقل كبير في ميزانه وفي الصحيح(1) جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-فقال :
(يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال : أمك، قال : ثم أي قال: أمك، قال : ثم أي، قال : أمك قال : ثم أي؟ قال : أبوك).
قلت ذات مرة لإبراهيم الأخضر -إمام الحرم المكي-لماذا تحرم الناس من صوتك الندي الذي يتجمع عليه المسلمون من كل مكان وكيف تطلب العودة إلى المدينة وبعض الناس يقولون : لكأنما نسمع القرآن يتنزل من السماء غضا طريا ونحن وراء إبراهيم الأخضر؟.
فقال : إن ذخري في الحياة جدتي ووالدتي ولابد من الوفاء بعهدهما والقيام ببرهما ولا يقوم أحد بهذا غيري، فقلت لماذا لا تأتي جدتك هنا؟ فقال : إنها ترفض أن تغادر المدينة خوفا من أن تموت خارج المدينة وأمنية الحياة الغالية عندها أن تدفن في البقيع، وفعلا ترك إبراهيم الحرم المكي وعاد ليؤم في مسجد صغير في المدينة ملتزما الجنة عند قدمي أمه وجدته.
ولقد أوصى الإسلام بتربية البنت وتأديبها وتعليمها لتكون حرزا (سترا ) لأبيها من النار، وصدق الشاعر :
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق
وفي أفغانستان المسلمة نماذج رفيعة من الأمهات سواء من داخل أفغانستان أو من العالم الإسلامي نتعرف عليها من خلال الرسائل التي تردنا عبر بريد مجلة الجهاد، ومن خلال هذه النماذج فاطمة أم فيصل المكية.
فلقد كانت فاطمة أم الأولاد الستة تحلم أن ترى ابنها فيصلا يحظى بفتاة أحلامه وتفرح بابنها قبل أن تخطفها يد المنون إذ أنها تدلف إلى جدثها بخطى حثيثة بعد أن بلغت السبعين، واشترت لابنها الصغير -الراصد الجوي-أثاث العرس ولم يبق من أبنائها غيره ممن لم يكمل نصف دينه الآخر.
كانت فاطمة تعيش مع ابنها فيصل في شقته الهادئة على شاطئ البحر الأحمر في جدة وتنتظر اليوم الذي تختم فيه فرحها بأصغر أبنائها، ولقد كانت تفخر بابنها الذي طالما تباهت برؤية صورته على شاشة التلفاز يقدم مسرحياته للجمهور.
ولكنها خلال الأشهر الأخيرة صارت تلمح على قسمات وجه ابنها تغيرا وسهوما ووجوما وصمتا وغابت تلك الابتسامة المشرقة التي كانت لا تفارق شفتيه هنالك شئ جديد جاد يعتمل في أعماقه يشغله وهي تلاحظ عليه شرودا ولم تعد تلك الأحاديث التي كان يفاتحها بها عن أمانيه وأحلامه، واختفت من أنظاره بهارج الحياة وزخارفها واضطرت أن تقتحم عليه عزلته ووحشته متسائلة : ماذا عساه دهاك ياحبيبي فأشغلك عنا وعن الحياة الوادعة الآنسة حولك؟