وهنا فاتحها بما يكنه بين جوانحه لقد قرأت كتابا عن الجهاد الأفغاني اسمه : (آيات الرحمن في جهاد الأفغان) يتكلم عن قضية خطيرة كبيرة في حياة المسلمين وهي قضية الجهاد التي ليست مسطرة في سطور بل حقائق متمثلة في دنيا الواقع يخوضها شعب أعزل أمام العملاق الكبير -الاتحاد السوفياتي وحلف وارسوـ.
وبدأت الأسئلة تنثال على لسانها : وأين (أفغانستان) هذه من الأرض؟ فأجاب : إنها بلد مسلم يعيش فيه شعب رفض أن يعطي الدنية في دينه ودفع ضريبة عزته غالية باهظة فهناك على سفوح الهندوكوش وعلى ضفاف الهلمند وفي سهول هرات يسقط شهيد كل أربع دقائق ويغادر شيخ أو امرأة منزله كل دقيقة.
يستعذبون مناياهم كأنهم لا يخرجون من الدنيا إذا قتلوا
قالت : ولكن هذه البلاد جد بعيدة، فأجابها : أو لسنا المسلمين؟ أو ليست أرض الإسلام كالبقعة الواحدة؟
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم لأية أرض أو لأي مكان
وطفق فيصل يرتب نفسه ويعد للأمر عدته ويتخذ له اهبته وفاض الغرام واحترق الكبد من الشوق وزاد الشجى وإذا به ذات يوم يحضر سيارة كبيرة من السوق ويضع جميع أمتعته رياش العرس وفراش الزواج وأثاثه ولم يبق في البيت كرسيا ولا أريكة وانطلق إلى سوق الحراج وطلب من السمسار أن ينادي عليها بالبيع وصاح الدلال فقال قائل هي علي بثلاثة آلاف فلم يتردد عن الإجابة بالقبول، وباعها بهذا الثمن البخس بعد أن دفع ثمنها سبعة عشر ألفا .
لقد كان بيع الأثاث إعلانا صارخا عن العزم الوامض والتصميم الحاسم على طلاق الدنيا ثلاثا لا رجعة فيها.
وتعلقت أمه به، لا بد أن أرافقك مسيرة طريق العرق والدماء ولا بد أن أسير فوق جادة الجهاد رغم الأشواك والعقبات واللأواء والسغوب والنوى.
ويعجب فيصل : وهل لمثلك دور في هذا الدرب المضني؟ سيما وقد نيفت على السبعين وثقل اللحم وقد لحب الجنبان واحدودب الظهر.
وتجيب الأم : نعم أستطيع أن أغسل ثياب المجاهدين وأن أطبخ طعامهم.
وصار النقاش يشغل قسما من الوقت في مجيئها أو بقائها في بيتها ووعدها فيصل أن يأتي لمعرفة الدور الذي يمكنها القيام به في أرض الجهاد ثم يرجع إليها.
وجاء فيصل فترة ثم عاد ليرتب أموره نهائيا ويستقيل من وظيفته ويخلص بنفسه إلى الله وينسلخ من دنياه التي يعيش فيها نهائيا وتصر الوالدة على القدوم إلى أرض الجهاد وقدمت فاطمة إلى بيشاور وزارت الأرامل والأيتام، وحاول ابنها أن تعود إلى جدة وبعد جهد جهيد توصلا إلى قبول تحكيمي فقالت له : لن أرجع حتى أسأل الشيخ عبد الله عزام.
وجاء فيصل بأمه لتطمئن إلى جواز رجوعها إلى جدة، وإلى الحكم الشرعي أن الله يعذرها بالعودة فأفتيتها بجواز رجوعها فغادرت وهي مطمئنة أنها من أصحاب الأعذار.
نظرت إلى هذه العجوز بإكبار وانبهار، ثم قلت في نفسي أنها مكية ولعلها قرشية فلا غرو في هذا فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: