تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القوافل والثلج يغطي صدر الرجل، وكم من الأصابع سقطت في هذا الجليد المتجمد، ولقد عجبت عندما أبلغاني أنهما رجعا وحدهما دون مصاحبة قافلة من المجاهدين.

وبلخ تقع على حدود روسيا قرب نهر جيحون فيقطعون في هذه الرحلة قرابة ستمائة كيلومتر ونيف وهم يواجهون في كل قرية مشكلة جديدة خاصة وإن لون أبي أسيد كالفرنسيين ولا يصدق الناس أنه من العرب أو المسلمين وكم سبب له شكله من مشاكل أثناء اجتياز هذا الطريق الطويل الذي يخترق أفغانستان من اقصى الشمال الى أقصى الجنوب، ان قواعد الروس وكمائنهم التي يتربصون بها مرور المجاهدين لا تعد شيئا امام بعض مشاكل القرى التي تفرض الضرائب والاتاوات الباهظة على المارين في هذا الطريق.

ولا ينقضي عجبي من شجاعة هؤلاء الشباب وزاد في دهشتي عندما اعلمني أبو حفص أن ابا أسيد قد ذهب الى بلخ وحده دون أي رفيق وأمسكوه في الطريق وقالوا له بأنك فرنسي وأنكر ذلك، ولا ينجيه غالبا الا قراءة القرآن الكريم حتى يصدقوا انه مسلم.

إن أهوال السفر والشدائد التي تحف بالطريق والمخاطر التي تهدد القوافل لا يعلمها الآ الذين كابدوها وعاشوها، قلت لابي أسيد : حدثنا عن رحلتكم وعن كيفية وصولكم، فقال : (ان وصولنا اول مرة كان اشبه بالخيال وأقرب الى الاساطير فلقد أمضينا في الطريق 46 يوما سقطت فيها أظافر عبدالله أنس جميعا.

وطلبت منهما أن يحدثوا الشباب عن اثار العرب في الجبهة وفي داخل أفغانستان فقالا:

ان كلمة العربي تعتبر شبه مقدسة عند قادة الأفغان الكبار، وكم من قضية كبرى لا يبتون بها الا أن يرجعوا الينا، وكم من مشكلة بين الفصائل ما حلها باذن الله الا وجود العرب وان المجاهدين الأفغان ليخجلون كثيرا ان يحصل بينهم خلاف في وجودنا بالاضافة الى استحيائهم -من انفسهم-عندما يوسوس لهم الشيطان بالهجرة تحت ضغط الحاجة و ثقل الجوع وحزن العوز فكم من اسرة ليس لها معيل اذ عائلها الوحيد منذ سنوات في أرض المعركة لا يستطيع أن يكد للحصول على الرغيف لاسرته ولا تطاوعه نفسه أن يفارق الجبهة وهو يرى العربي بجانبه قد هاجر من موطنه والدنيا مقبلة عليه بخضرائها من أجل ان ينال شرف الجهاد.

لقد سألت شابا اسمه حسن اين تعيش أسرتك؟ فقال : لا أعلم فمنذ خمس سنوات ونيف ضرب بيتنا وانا في الجبهة وهاجر والداي مع اخواني ولا أعلم شيئا عنهم ولم أنل عنهم طرف خبر.

قلت : ايه يا أبا أسيد، فقال : ان تعطش الشباب العربي للقتال يرفع الروح المعنوية لدى جبهة بكاملها وشوقهم للنزال وتطلعهم للشهادة يجدد في نفوس هؤلاء المجاهدين.

ودعك عن الدور التربوي الهام الذي يقوم به الشاب العربي من تعليم القرآن والأذكار بعد الصلوات وتعليمهم صيام الاثنين والخميس وقيام الليل وغير ذلك.

وفي هذا المنطقة يعتبر القاضي عبدالله القاضي العام والمفتي للمنطقة بكاملها وكان على وشك الهجرة فلو هاجر لتفككت الجبهة ووهنت ويشاء الله أن يصل ثلاثة من

في خضم المعركة · الصفحة ١٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

في خضم المعركةص ١٠٣