ثالثا: مذهب الجمهور؛ يجب إنذارهم إذا لم تبلغهم ولا يجب إذا بلغتهم.
قال الشافعية: قال الرملي في [نهاية المحتاج: 8/ 46]: (ومن علمنا عدم بلوغه الدعوة لا نقاتله حتى يعرض عليه الإسلام حتما - وإن ادعى بعضهم استجابة - وإلا أثم وضمن كما مر في الديات، أما من بلغته فله قتله).
قال الحنفية: قال السرخسي [شرح السير: 1/ 77]: (فإن بلغتهم الدعوة فإن شاء المسلمون دعوهم دعاء مستقلا على سبيل الإعذار والإنذار، وإن شاؤوا قاتلوهم بغير دعوة لعلمهم بما يطلب منهم، وربما يكون في تقديم الدعاء ضرر بالمسلمين فلا بأس أن يقاتلوا بغير دعوة).
وأفضل دليل يشهد للمذهب الثاني هو الحديث الذي في الصحيحين عن ابن عوف قال: (كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، فكتب إلي: إنما كان ذلك في أول الإسلام، وقد أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقي على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، وأصاب بعدئذ جويرية بنت الحارث، حدثني به عبد الله بن عمر وكان في ذلك الجيش) (1).
إذن مدار الخلاف هو التعارض بين حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما قط إلا دعاهم) (2)، فقد أخذ مالك بحديث ابن عباس رضى الله عنهما لأنه قول، والقول مقدم على الفعل.
وأخذ الفريق الثاني - الذين يرون عدم وجوب الإنذار سواء وصلت الدعوة أم لا - بحديث نافع، واعتبار فعله صلى الله عليه وسلم بغزوة بني المصطلق ناسخا لحديث ابن عباس.
وأما الجمهور: فقد أخذوا بالجمع بين الحديثين، وفي كلام نافع ما يشير إلى الجمع، (إنما كان ذلك في أول الإسلام)؛ أي عندما لم تكن الدعوة قد بلغت الناس فعندما بلغت الدعوة الناس لم تبق حاجة للإنذار قبل القتال.
والجمع بين الحديثين أولى؛ لأن الجمع مقدم على النسخ والترجيح، وكذلك حديث ابن عباس عام، وحديث نافع خاص، والخاص مقدم على العام.
(1) متفق عليه - نيل الاوطار 7/ 232
(2) حديث صحيح رواه أحمد وحديث نافع السالف الذكر