تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إن المصريين كالفرنسيين ينالون ثلاث درجات في الحساسية، فهم سريعو الرضا، سريعو الغضب، سريعو الانفعال في شدة؛ وقد يلاحظ عليهم أنهم ينفعلون لدواعي الحزن، أكثر مما ينفعلون لدواعي السرور؛ لأسباب تاريخية عميقة، وينفعلون للمسائل الشخصية، أكثر مما ينفعلون للأسباب السياسية والاجتماعية؛ ولكن كلامنا الآن في وجود العنصر ومقدار كميته، لا كيفيته واتجاهاته.

واستمر المؤلف في تطبيق نظريته، فطبقها على الكتاب والشعراء، ورأى أنهم يختلفون في مقادير هذه العناصر الأربعة، ولكن لا بد أن يكون الشاعر - مثلا - على قدر كبير من الحساسية، وإلا لما كان شاعرا، وقال: إنه درس طويلا ليصل إلى تقدير بعض الشعراء بهذه المقاييس فوصل إلى النتائج الآتية:

شكسبير:

واقعية 4 مثالية 4 فكاهة 3 حساسية 4.

هيني:

واقعية 3 مثالية 3 فكاهة 4 حساسية 3.

شيلي:

واقعية 1 مثالية 4 فكاهة 1 حساسية 4.

وجاء دوري في التفكير في بعض شعرائنا، فاخترت ابن الرومي والمتنبي، وأعطيتهما هذه الدرجات:

ابن الرومي:

واقعية 2 مثالية 3 فكاهة 3 حساسية 4.

المتنبي:

واقعية 3 مثالية 3 فكاهة 2 حساسية 3.

وهذه النظرة تفتح لنا بابا واسعا في تقدير الكتاب والشعراء على هذا الأساس، وتبعثنا على التفكير: ما الدرجات التي يحوزها المثل الأعلى للشاعر؟ وأي الشعراء أفضل؛ من زادت مثاليته وأحلامه، أو من زادت حساسيته؟ إلخ.

وهي أسئلة تحتاج إلى درس طويل وتفكير عميق.

وأيا ما كان؛ فهذه النظرية التي عرضها الكاتب أطالت تفكيري، وأجالت خيالي، فأحببت أن أشرك القراء معي.

| الحكمة في الأدب العربي

تحديد معنى «الحكمة» من أصعب الأمور؛ شأنها في ذلك شأن الكلمات المعنوية العامة، كالحرية، والجمال ، والعدل، وكل ما يستطيعه المعرف أن يذكر أهم الخصائص المميزة للكلمة.

لقد عرفها بعضهم تعريفا تقريبيا فقال: إنها «نظرة - عميقة عملية مباشرة - إلى معاني الأشياء وأغراضها، تصدر عن ذكاء حاد نفاذ دقيق الملاحظة، يستمدها من تجارب الحياة ومن مخالطته العملية بالحياة اليومية»، ويسمى الرجل ذو النظرات هذه حكيما، وتسمى الكلمة المشتملة على هذه النظرة حكمة، ومن هذا قيل: «إن من الشعر لحكمة»، وقيل: «الحكمة ضالة المؤمن»، وأحيانا يلحظ في «الحكيم» أنه يضيف إلى هذه النظرات الصائبة العمل على وفقها، ومن ذلك قوله تعالى:

ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ، وسمي لقمان حكيما؛ لأنه ينطق بالحكمة ويعمل بها. •••

وأيا ما كان؛ فهناك فرق كبير بين الفلسفة والحكمة من وجوه؛ أهمها: أن الفلسفة تفكير منظم مبوب، تبنى مسائله على أساس منطقي يأخذ بعضه برقاب بعض، ويوضع لاحقه على أساس سابقه، أما الحكمة فنظرات لامعة خاطفة من هنا وهناك، وطابع الفلسفة طابع تحليلي، تأخذ الفكرة وتحللها وترجعها إلى أصولها وتبين نتائجها، وطابع الحكمة تركيبي يركز التجارب في جملة، ويجمع خلاصة التفصيلات في «برشامة»، ويعصر السحاب المنتشر، في قطرات المطر، والفلسفة تعتمد على التأمل، والتفكير العقلي، والقانون المنطقي، والحكمة تعتمد على الإلهام، والاستعداد الشخصي - مضافا إلى ما ورثه من أمته - لاجتذاب المعنى العميق من الأحداث السطحية، واستخراج حبة الذهب من تل الرمال، واللؤلؤة الثمينة من أكوام الصدف؛ ثم إن الفلسفة أسلوب الخاصة وعقلية الخلاصة، فلا عجب أن يلفها الغموض وتعقد الأسلوب، أما الحكمة فثقافة شعبية يدركها الخاصة والعامة على قدر زكانتهم وأحيانا تكون في شكل جمل مركزة رزينة جميلة، ويفسرونها بمقدار مواهبهم، ومن أجل هذا صيغت الفلسفة صياغة معقدة ثقيلة، وصيغت الحكمة صياغة خفيفة رشيقة.

إن شئت مثلا للموازنة فاقرأ باب السياسة في كتاب «عيون الأخبار» لابن قتيبة، أو «العقد الفريد» لابن عبد ربه، وهو الباب الذي سمياه «كتاب السلطان»، ثم اقرأ فصلا من فصول كتاب السياسة لأرسطو؛ تخرج بالنتائج التي ذكرتها؛ نظرات عملية، تجريبية، ملهمة، مفرقة، مركبة، مصوغة صياغة جميلة (في الأول )، ونظرات منطقية، تحليلية، تأملية، مرنة، معقدة (في الثاني)؛ فالأول حكمة، والثاني فلسفة. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٩٥