واقعية من غير مثالية = حياة حيوان. (2)
واقعية + أحلام = مثالية. (3)
أحلام + فكاهة = أوهام. (4)
واقعية + أحلام + فكاهة = حكمة ... إلخ.
واصطلح على أن يجعل كل عنصر من هذه العناصر الأربعة (الواقعية والمثالية والفكاهة والحساسية) إذا بلغ درجة (4) فشاذ، أعلى مما يلزم، وإذا بلغ (3) فمرتفع، وإذا بلغ (2) فمعتدل، وإذا بلغ (1) فمنخفض، وكل أمة لديها هذه العناصر الأربعة ولكن بأقدار مختلفة، وهي تسير في الحياة وتتصرف في الأحداث وفق امتزاج هذه العناصر ومقاديرها، وضرب أمثلة لذلك حسب رأيه ودرسه كما يأتي:
واقعية (3) مثالية (2) فكاهة (2) حساسية (1) = الإنجليز.
واقعية (2) مثالية (3) فكاهة (3) حساسية (3) = فرنسيون.
واقعية (3) مثالية (3) فكاهة (2) حساسية (2) = أمريكيون.
واقعية (3) مثالية (4) فكاهة (1) حساسية (2) = ألمان.
واقعية (2) مثالية (4) فكاهة (1) حساسية (1) = روس.
واقعية (4) مثالية (1) فكاهة (3) حساسية (3) = صين.
وعلل بعض ما يبدو في الأمم من مظاهر بهذا المزاج؛ فالفرنسيون - مثلا - يميلون إلى النظريات المجردة وسعة الخيال، كما تتجلى في أدبهم وفنهم وكثرة حركاتهم السياسية، وذلك ناشئ من علو درجتهم في المثالية، والصينيون أعرق الناس في الواقعية، والألمان أحوج الناس إلى روح الفكاهة، قال: «ولقد كدت أعطيهم في ذلك صفرا». وهذا ما أتعبهم في السياسة في الماضي والحاضر، ولو منحوا قدرا كافيا منها لتغير تاريخهم وتغير وجه الحرب.
ثم ذكر أن المثل الأعلى لأمة أن يكون قانونها: واقعية 3 مثالية 2 فكاهة 3 حساسية 2
وأقرب الأمم إلى هذا المثل الإنجليز.
ولقد وضعت الكتاب من يدي بعد قراءة هذا الفصل وتساءلت: كم نضع من الدرجات للمصريين في هذه العناصر الأربعة؟ ووجدت السؤال صعبا، ولكن لم أيأس من محاولة الإجابة عنه.
في نظري أن المصريين يغالون في الواقعية ويقصرون في المثالية، فلو نالوا أربع درجات في الواقعية نالوا درجة واحدة في المثالية، ومن أجل هذا يغلب عليهم احتذاء التقاليد، والأوضاع القديمة؛ حتى التي كانت في عهد قدماء المصريين التزاما للواقع، وهم بطيئو التغير والتحسن في نظم حكومتهم، وفي مرافقهم السياسية والإدارية والاجتماعية؛ لأن هذا التحسن ينشأ أولا من الأحلام، أو بعبارة أخرى من المثالية: ثم ينقلب الحلم إلى واقع، فلما نقصهم الحلم نقصهم التغير، وطبعوا بطابع «إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون»، ودع عنك حفنة من الناس في المدن يحلمون ويتغيرون، فالحكم على الأمة يجب أن يكون على الأعم الأغلب؛ من فلاحين وصناع وهم جمهور الشعب، وهؤلاء لو قارنتهم بأمثالهم من قدماء المصريين لم تجد بينهم كبير فرق.
وحتى الآداب والفنون عندهم تنقصها الأحلام والخيالات، ولذلك ضعفت القصة في أدبهم، وكثرت الحكم؛ لأن الحكم واقعية والقصة خيالية، والأدب المصري يسير سيرا تقليديا، إما تقليدا للأدب العربي القديم، أو للغربي الحديث؛ وقل فيه الابتكار؛ لأن الابتكار خلق، والخلق يحتاج إلى تصميم، والتصميم يحتاج إلى خيال أو مثالية.
ولعل هذا هو شأن الشرق بأجمعه، لا المصريين وحدهم، فإن صح هذا وجب على المصلحين أن يؤسسوا إصلاحهم وبرامجهم على الإقلال مما يسبب الواقعية والإكثار مما ينمي المثالية.
قد أكون مخطئا في تقديري؛ ولكني أقول كما يقول زميلي الصيني: إن هذه الأحكام لم تبلغ من الدقة مبلغ قوانين الطبيعة والكيمياء.
أما روح الفكاهة فهي نامية عند المصريين، وقد خففت عنهم كثيرا من متاعبهم، بل وقد تكون حفظت عليهم وجودهم؛ فما تحملوه من ضغط آلاف السنين كان يكفي للقضاء عليهم لولا روح الفكاهة، فأنا أقدر روحهم الفكاهية بثلاث درجات لا أقل، وإذا احتاج هذا العنصر إلى إصلاح فليس أن يزيد أو ينقص، ولكن أن يشذب ويهذب، ويرقى في موضوعاته وأساليبه.