تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والأمثال يعد كثير منها ضربا بدائيا من ضروب الحكمة، وهي والحكمة - عامة - تكاد تكون في كل جماعة، وكل أمة؛ بدوها وحضرها.

ولكن ما يلفت النظر ويبعث على التفكير غزارتها وكثرتها في الأمم الشرقية كالمصريين، والبابليين، والصينيين، والهنود، والعبرانيين، والعرب، بل أحزر - وإن لم أتيقن بعد - أن الأمثال والحكم اليونانية صدرت عن اليونانيين الذين كانوا في آسيا الصغرى، أكثر مما نبعت من اليونانيين في أوربا، فتلحظ الكثرة الوافرة من الحكم الهندية في مثل كليلة ودمنة، والعبرية في كثير من أجزاء التوراة، والمصرية فيما يرويه علماء الآثار المصرية من أمثال؛ ولعل الأمم السامية في ذلك أوفر حظا، ولعل العرب من بينهم أعلى شأنا؛ فحكمهم تمتاز مع كثرتها؛ بلمعان الفكرة، وجزالة العبارة، وتركزها، وشدة العناية بالناحية الخلقية، كما يقرر ذلك بعض علماء المقابلة بين الأمثال.

وهذا يدعو - بحق - إلى التفكير في علة غزارة هذا النوع من الأدب في هذه الأمم الشرقية؛ ولعل مما يلفت النظر أيضا ظهور الأديان العظيمة في مواطن الحكمة، فالأديان أقرب إلى الحكمة منها إلى الفلسفة.

قد يقال: إن كثرة غزارة الحكمة في الشرق، وتفوقه على الغرب، أن الحكمة - كما قلنا - تنبع من الإلهام، والفلسفة تنبع من المنطق والتفكير العقلي، والشرق معروف من قديم بأنه موطن الإلهام، فكان أكثر حكمة.

وقد يقال: إن مزاج الشرق تركيبي، ومزاج الغرب تحليلي، فازدهرت الحكمة في الشرق؛ حيث المزاج التركيبي، وازدهرت الفلسفة في الغرب؛ حيث المزاج التحليلي؛ ولكن التهجم في تعيين خصائص للأجناس أو للأقطار في منتهى الخطورة، ويجب أن يعالج بكثير من الحذر.

قد قال قوم: إن الحكمة خاصة البدائيين، وإنها المادة الأولى التي يبني عليها الفلاسفة فلسفتهم، فإذا وفق البدائيون للحكمة؛ أخذها الفلاسفة وحللوها ورتبوها وشرحوها وعللوها وأنتجوها، فكانت الفلسفة، ولكن لا أظن هذا صحيحا، فالفلسفة غير الحكمة، وهما مختلفان في المنبع والمصب، ولكل طريقه، ولكل أدواته، وليست الفلسفة طبقة عليا بنيت على الحكمة، ولكن الفلسفة والحكمة بيتان عاليان مختلفان . •••

والحق أن الأدب العربي غني بالحكم غنى عظيما، ولئن تفوقت الآداب الغربية بالقصص، فالأدب العربي يتفوق بالحكم، وتعليل ذلك يحتاج إلى درس طويل.

وسواء في غنى الأدب العربي نثره وشعره في جميع العصور؛ ففي النثر نجد الخطيب قد يخطب وخطبته كلها ليست إلا حكما متراصة، وأبدع في الجاهلية كثير من أمثال أكثم بن صيفي، وتتابع التدفق في الإسلام من أمثال حكم الأحنف بن قيس، وما روي عن علي بن أبي طالب من الحكم، وما ملئت به كتب الأدب أمثال عيون الأخبار والعقد الفريد، حتى البله، والمجانين، والحمقى، والمغفلون رويت لهم الحكم الرائعة.

وتنوعت مناحي الحكم تبعا لتنوع مناحي الحياة؛ من حكم خلقية، ودينية، واقتصادية، وسياسية، واجتماعية، وفنية، ومن الأسف أنها لم تدرس في الأدب العربي دراسة عميقة تكافئ ما لها من أهمية، كما تنوع شكل صياغتها؛ فأحيانا تكون في شكل جمل مركزة رزينة جميلة، وأحيانا تكون في شكل قصص قصيرة، وأحيانا في شكل حوار ظريف ... إلخ.

والشعر العربي مليء كذلك بالحكم العظيمة من عهد لبيد وزهير بن أبي سلمى، وأبدع فيه أبو العتاهية حتى كانت له الأرجوزة الطويلة المعدودة بالمئات ليس فيها إلا حكم، ولا ننسى حكم المتنبي القوية الرائعة، ولا حكم المعري الزاهدة اللاذعة الحزينة ... إلى كثير من أمثال ذلك مما لا يعد ولا يحصى، والذوق العربي العام يأنس بالحكم ويهتز لها، من حين شغف الناس بقصيدة زهير «ومن، ومن» إلى وقتنا هذا؛ حيث يصفق الجمهور لسماع أم كلثوم تغني بقول شوقي:

وما نيل المطالب بالتمني

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٩٦