تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان من نتيجة هذا الفساد أن عدم المسلمون النظر إلى حاضرهم، ولم يكن يروح عن نفوسهم إلا النظر إلى الماضي، والافتخار به، والاعتزاز بروايته، كالتاجر الذي أفلس فأصبح يقلب في دفاتره القديمة، وإلا النظر إلى المستقبل رجاء السعادة في الآخرة، ولعبوا بفكرة المهدي المنتظر، وتوسعوا في وصف نعيم الآخرة، وأصبحت الحياة حياة أحلام، ولم يسمعوا لقول الشاعر:

إذا أنت لم تحم القديم بحادث

من المجد لم ينفعك ما كان من قبل

ولذلك لما هاجمت المدنية الغربية العالم الإسلامي كانت عبارة عن مدافع تهاجم أحلاما، وقوى مسلحة تلاقي أوهاما، فلما بدأوا في النهضة - بعد أن أفاقوا من ضربة الاستعمار - بدأوا ينظرون إلى حاضرهم في الدنيا، ولكن رأوا حاضرهم ضعيفا هزيلا بجانب حاضر الغربي، فاعتراهم مركب النقص، واتخذوا الحضارة الغربية إمامهم يقتبسون منها لتحسين حاضرهم، مع إحساسهم بذلتهم.

وكان هناك فرق كبير بين المسلمين الأولين يوم كانوا يقتبسون من حضارة الفرس والروم، والمسلمين اليوم وهم يقتبسون من الحضارة الغربية؛ كانوا أول أمرهم يقتبسونها اقتباس المعتز بدينه، وعقليته، وقوته، وحاكميته، وهم اليوم يقتبسون وهم يشعرون بشيء من الذلة، والمحكومية.

والحق أن لا بأس من اقتباس العلم الغربي، بل هو واجب، فالحياة لا يمكن أن تكون سعيدة إلا إذا أسست على العلم، وعلى إصلاح الحاضر، وعلى النظر إلى الحاضر في الدنيا، والمستقبل في الدنيا؛ ولكن يجب أن يضاف إلى ذلك عند المسلمين محاربتهم لمركب النقص هذا، وشعورهم بأنهم يرثون من دينهم قوة روحية فقدها الغرب، وأنهم يستطيعون بفضل تعاليم الإسلام أن يلونوا العلم الأوربي لونا روحيا خيرا يصح أن يستخدم في خير الإنسان، إن العلم الذي لا دين له ينتج القنبلة الذرية؛ لإهلاك الإنسانية، ولكن العلم الذي له دين ينتج اكتشاف قوانين الذرة؛ لخير الإنسانية.

| نظرية طريفة

قرأت هذه الأيام كتابا طريفا لكاتب صيني،

1

يرى في أحد فصوله أن لكل أمة مزاجا، وهذا المزاج يتكون من عناصر أربعة: عنصر الواقع، أو بعبارة أخرى: النظر إلى الوجود كما هو موجود، وعنصر الحلم أو الخيال أو المثالية، وعنصر المرح أو روح الفكاهة، وعنصر الحساسية أو قوة الشعور بالأحداث، وأن الواقعية والمثالية هما العاملان الأساسيان في حياة الأمم وتقدمها، وأن طينة الإنسانية تندى وتلين وتقبل التشكل بفضل عنصر المثالية، ولكن مادتها تبقى متماسكة مصونة بفضل عنصر الواقعية، ولا بد منهما معا في حالة تعادل، وبنسب صحيحة؛ حتى تبقى الطينة متماسكة وتبقى ندية لينة، فإن غلبت الواقعية كانت الطين جافة أو قريبة من الجفاف، لا تقبل التشكل، وإن غلبت المثالية كانت مائعة أو قريبة من الميوعة، لا تقبل التشكل أيضا.

وهذان العنصران في حالة مشادة دائمة في الأفراد والجماعات والأمم، وكلما اعتدلت نسبة التمازج كان التقدم أوضح وأسرع، وهو يرى أن الأمة الإنجليزية - من بين الأمم - أعدل مزاجا، وأصح نسبة بين الواقعية والمثالية، وكأن طينتها لا قست ولا ماعت، على حين أن بعض الأمم كثيرة الاضطرابات أو الثورات؛ لأنها حقنت بمادة مثالية غريبة عنها لم تهضمها، جعلت طينتها أقرب إلى الميوعة، غير مستطيعة أن تحتفظ بشكلها.

وكثيرا ما يطير الإنسان على خياله الجامح ويتعلق بأحلامه الواهية؛ فمن حسن حظ الإنسان أنه منح روح الفكاهة، ووظيفتها أن تنقد الجامح في الخيال، المتعلق بأوهام الأحلام؛ لترده إلى الحقيقة وتنزله إلى أرض الواقع، نعم؛ إن من حق الإنسان أن يحلم، ولكن من واجبه أن يسمع الضحك على أحلامه، وهذا ما تفعله الفكاهة، فالفكه أو المازح يحذر الحالم الهائم أن يصطدم بصخرة الواقع.

ثم قال: إنه يود أن يضع لهذه العناصر قوانين أشبه بما يضعه علماء الكيمياء، ولكن حذار أن تنتظرها قوانين دقيقة كقوانين الكيمياء، أو أن تأخذها قضايا لا تقبل الزيادة والنقص، ولا التعديل والتغيير كقوانين الطبيعة، فقوانينه قوانين مرنة، قابلة أن يشكلها الباحث حسب بحثه واقتناعه، فمن قوانينه التي ذكرها: (1)

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٩٣