وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا . ولذلك كان كثير من كبار الصحابة الذين لا يشك في فهمهم للإسلام حق الفهم والتزامهم لمبادئه؛ يستمتعون بالحياة الدنيا أحسن استمتاع؛ مع التزامهم حدود قوانين العقل والشرع، ويرون أنه من الممكن لهم أن يبلغوا الكمال من غير أن يميتوا شهواتهم، أو يتجردوا من ملاذهم، على عكس ما كان من المبادئ البوذية والمسيحية التي ترى أنه من المستحيل بلوغ الكمال إلا بإماتة الشهوات؛ وبذلك ساير الإسلام الغرائز الطبيعية، ولم يقض عليها؛ بل حد من سلطانها، وأوسع المجال أمام كل فرد أن يكمل نفسه حسب استعداده وحسب مزاجه وملكاته، فمن شاء فليزهد، ومن شاء الاستمتاع بالحياة فليستمتع؛ ومن شاء التوسع في مجال الحياة فليتوسع، ولكن يجب أن يكون كل ذلك في الحدود المشروعة، ومع مراعاة الآخرة.
ومن أجل ذلك أيضا اتجه المسلمون في أول أمرهم إلى أن يعيشوا عيشة العزة، وأن تكون كلمتهم العليا، وكلمة غيرهم السفلى، وأن يتوسعوا في الفتح ما أمكن، لا للاستعمار المعروف اليوم في القضاء على الأمة المفتوحة واستغلالها في مصلحة الفاتح، ولكن لنشر الدعوة، وأن يكون لأهل البلاد من الحقوق والواجبات ما للفاتحين؛ فإن حصل خطأ في تاريخ الإسلام في سوء المعاملة؛ فالذنب ذنب المسلمين، لا ذنب الإسلام نفسه.
إلى جانب ذلك نظر الإسلام إلى العالم على أنه كتاب الله المفتوح، الذي تتناغم كل أجزائه وتنسجم؛ لأنها من تأليف إله واحد، وقد أودع فيها من القوانين ما يجب على الإنسان أن يتعرفها ما استطاع، لذلك هجم المسلمون الأولون على العلم الذي كان معروفا عند غيرهم فاقتبسوه، سواء ما كان عند الفرس، وما كان عند اليونان، وما كان عند الهنود، وكل ما فعلوا أن صبغوا أن هذه المعارف بصبغة تتناسب مع لون الإسلام والعقيدة الإسلامية، من توحيد الخالق وعظمته وسلطانه؛ ولذلك بلغوا في هذه العلوم ما جعلهم أعلم أمة في عصرهم، ولو سارت الأمور على طبيعتها لاستمروا في درسهم وبحثهم، واكتشاف القوانين المبثوثة في العالم في نمو واطراد.
فالمسلمون بلغوا ما بلغوا من العلم بداعي دينهم، على حين أن الأمم الأوربية سارت إلى العلم على الرغم من كنيستها.
وفي هذه الأثناء كان المسلمون ينظرون إلى الماضي - أعني إلى عصر النبوة والخلفاء الراشدين - على أنه العصر الذهبي، وهم محقون في هذا من الناحية الدينية؛ لأن العصر الذهبي للإسلام من حيث منبع الدين ومن حيث اتباع تعاليمه كان في ذلك العصر، لكن ليس هذا عصرا ذهبيا من ناحية العلوم والمعارف الأخرى.
فلما انحط شأن المسلمين - بما توالى عليهم من ظلم الحكام وفساد الحكم، وتملك زمام المسلمين من ليسوا مسلمين إلا بالاسم، وطال عليهم الأمد في ذلك - فقدوا عزتهم، وفقدوا تقويم حاضرهم، وأصبحوا لا يملكون إلا افتخارا بالماضي وأملا مشوها في الحياة الأخرى، واستخدم هؤلاء الحكام الظلمة علماء الدين في أن يبثوا بين العامة الزهادة في الحاضر، واحتقار الدنيا وشئونها والهرب منها، وتوجيه كل رغباتهم وآمالهم وسعادتهم إلى الحياة الأخرى، ولتكن الدنيا بعد ذلك ما تكون، لا بأس من قضائها في شقاء أو فقر أو بؤس، فهي قصيرة الأمد، وكانت هذه كلها دعوة ماكرة من ظلمة الحكام؛ ليستأثروا بالسلطان والجاه والغني والثروة، وغفلة من العلماء الذين تحمسوا لهذه الدعوة في سذاجة، أو خداعا بعرض من الدنيا قليل.
نعم؛ إن في الإسلام ما يدل على أن الدنيا قنطرة الآخرة، وأن الحياة الأولى دار ممر لا دار مقر، ولكن مجموع تعاليم الإسلام تدل على أن الدنيا قنطرة لها قيمتها، ودار ممر؛ ولكن يجب أن يعمل لها وتوجه العناية بها، ويسودها العدل ما أمكن، وتقاوم الظلم ما أمكن، ويعيش الناس فيها أسعد ما يكونون ما أمكن، أما التعاليم الأخيرة فتقضي بأنها قنطرة لا قيمة لها، ودار ممر لا يؤبه بها، وفرق كبير بين التعليمين والمبدأين.