تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حتى جاء العصر الحديث؛ ونهض الأوربيون نهضتهم، وتحرروا كثيرا من ظلم حكامهم، وسلطة كنيستهم، وأصبحت حكومتهم في أيديهم، يسيرونها وفق رغباتهم، فتحول الناس من النظر إلى العصر الذهبي الماضي أو الحياة الأخرى بعد الموت، إلى النظر لحاضرهم في الدنيا ومستقبلهم فيها.

وأكبر عامل في عصر النهضة لهذا التحول هو العلم التجريبي الذي فتح مجال الأمل لتحسين الحياة الحاضرة التي نحياها، وبشر بأن في استطاعة العقل الإنساني بعلمه وتجاريبه أن يسيطر على البيئة التي حوله؛ لينظمها في تحقيق سعادته.

وأخذ ينظر إلى الطبيعة على أنها محكومة بقوانين ثابتة يمكن استكشافها، وأن من الممكن للإنسان أن يصادق هذه الطبيعة ويستخدمها في منفعته متى استكشف قوانينها.

وكفر المحدثون بخرافات العصر الذهبي الماضي؛ وقالوا: إن عقولنا أنضج من عقولهم، وإذا كان زمنهم زمن الطفولة فزماننا زمان الشباب، وإننا بعقولنا نستطيع أن نصل إلى خير مما وصلوا إليه، وأن نقرأ كتاب العالم خيرا مما قرأوه، ونفسره خيرا مما فسروه، وإن هذه القداسة للقديم خرافة لا يصح أن يستنيم إليها العقل الحاضر؛ وعلى هذا الأساس عمل الناس على إصلاح حاضرهم والتغلب على مشاكلهم، ولم تعد الرهبنة أخلاقية راقية، وإنما الأخلاقية الراقية هي بذل الجهد في إصلاح الحاضر.

وشاع في الناس - على أثر ما شاهدوه من تقدم - الأمل في مستقبل باهر على ظهر هذه الدنيا ينعم فيه أجياله بالسعادة والهناء، وزادهم طمأنينة إلى حاضرهم ومستقبلهم ما شاهدوه من عجائب المخترعات، وزيادة الثروة، ونمو المدن، وتقدم وسائل النقل والمواصلات، وإمكان الوقاية من الأمراض وتحسن الصحة، ووسائل الراحة في الحياة البيتية، وغير ذلك.

وظلت هذه الآراء والأمل في المستقبل سائدة على العالم الأوربي؛ حتى صدمته الحرب العالمية الأولى، فأخذ يفكر من جديد: ماذا عسى أن يكون المستقبل والحروب بين الناس طاحنة، وويلاتها مرعبة؟! واشتد ضعف الأمل في المستقبل بالحرب العالمية الثانية وما أعقبها من اكتشاف القنابل الذرية، وتوقعهم حربا شعواء تجتاح الأخضر واليابس، بل لعلها تقضي على المدنية بأكملها؛ وبذلك تزعزع الإيمان بالحاضر والمستقبل، وبعد أن كان العلماء الاجتماعيون يقولون بأن التقدم حاصل لا محالة، وأن الحاضر خير من الماضي، والمستقبل خير من الحاضر من غير قيد ولا شرط، إذا بهم يضعون القيود والشروط لسعادة الإنسان المستقبلة، ويقولون: إنما يسعد إذا سلك سبيل العقل والحكمة، ولكن أنى له هذا العقل وهذه الحكمة؟!

فإذا نحن نظرنا إلى العالم الإسلامي في ضوء هذا وجدنا أن العرب في جاهليتهم كثيرا ما كان يرد على ألسنتهم النظر إلى الماضي وإكباره، والنظر إلى الحاضر واستصغاره، من مثل قول لبيد:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم

وبقيت في خلف كجلد الأجرب

ومثل ما عند العرب من أساطير تشير إلى ضخامة أجسام الأقدمين، وطول أعمارهم، ونحو ذلك.

فلما جاء الإسلام احتقر الماضي العربي وسماه الجاهلية، واحتقر مبادئه وتعاليمه وأصنامه، ووضع أسسا جديدة للحياة؛ عمادها - من حيث موضوعنا - النظر إلى الدنيا وإلى الآخرة جميعا؛ ويتلخص هذا المبدأ في قوله عليه السلام: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا». لقد كره الإسلام الرهبانية واعتزال الحياة، وسمح لكل امرئ أن يعمل حسبما يسر له، وأن يستمتع بالحياة كما يشتهي في الحدود المشروعة؛ فله أن يأكل أحسن المأكل، ويلبس أحسن الملبس، ويسكن أحسن المسكن، ولكن يراعي الله في تصرفاته، فلا يفرط فيفقد رجولته، ولا يسرف فيظلم غيره؛ ويجب أن يراعي في كل تصرفاته أن وراء الحياة الدنيا حياة أخرى يواجه فيها ربه؛ فيسأله عما عمل في حياته.

وقد بلور القرآن هذا المعنى بقوله:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٩١