بل ليست هذه الخاصية مقصورة على موقف الإنسان نحو الإنسان، فإنك تزور بيتا أو تغشى حديقة، أو تدخل مسجدا، أو ناديا، فتشعر بانقباض في صدرك، ونفور من بقائك، ورغبة ملحة في الهروب من مكانك؛ وتجد عكس هذا في بيت آخر، ومسجد آخر، وناد آخر؛ إذ تشعر بالراحة والاطمئنان والسرور وحب البقاء، فإذا أنت حاولت أن تعلل هذا بحسن الهندسة أو قبحها، وانطباق فن العمارة أو عدم انطباقه، أو وجود الضوء أو الهواء أو عدمهما، لم تجد ذلك كافيا في التعليل ولا مقنعا في التفسير.
فأما الصوفية فقد فسروا هذه الظاهرة بأن الله تعالى يتجلى على الأشياء بصفاته وأسمائه فتظهر فيها معاني هذه الصفات وهذه الأسماء؛ فقد يتجلى على إنسان باسم القابض، وعلى آخر باسم الباسط، فتنقبض من الأول، وتنبسط للثاني؛ وقد يتجلى باسم الرحمن الرحيم، أو المتكبر الجبار، أو الواهب الرازق، أو المعز المذل؛ فتنعكس كل صفة وكل اسم على الشيء المنظور حسب ما انطبع فيه من صورة صفة المتجلي.
والناس - عادة - يدركون هذا المعنى ويعبرون عنه تعبيرا يدل عليه، فيقولون: إن هذا الرجل أو المرأة أو الشيء خفيف الروح أو ثقيله، خفيف الدم أو ثقيله، خفيف الظل أو ثقيله، وهي كلمات لا تسعفك في الإيضاح، بل هي غامضة غموض الأصل، فما خفة الروح؟! وما خفة الدم؟! إن الروح بالمعنى المعروف شيء وراء المادة ليس له وزن ولا حجم حتى يكون خفيفا أو ثقيلا، وأنت لو وزنت قيراطا من ثقيل الدم لوجدته يساوي مثله من خفيف الدم، فكل هذه الاصطلاحات اصطلاحات غامضة لمعان غامضة ، بدليل أنك قد ترى امرأة انطبق عليها كل شروط الجمال كما يفصله علماء الجمال، ومع ذلك تقول: إنها فقدت خفة الروح؛ فإذا سئلت عن تحليل هذا اللفظ أجبت بكلمات مترادفة لا تشرح ولا تعلل، وقد تفضل عليها امرأة أخرى لم تبلغ هذا المبلغ من الجمال، بل قد يكون فيها قبح في بعض أجزائها، وذلك لما تدعيه من خفة روحها.
هذا ما فكرت فيه عند سماعي القصة التي رويتها، وأخيرا أوصلني هذا التفكير إلى الحيرة والغموض، فهل عند السادة علماء النفس المتخصصين فيها، المتبحرين في دراستها، ما يذهب بهذه الحيرة ويكشف هذا الغموض؟
| بين الماضي والمستقبل
اعتاد الإنسان أن يقلل من شأن حاضره ويعلي من شأن ماضيه أو مستقبله، وسبب ذلك أن الحاضر هو الواقع وهو الملموس وهو المحسوس، وأما الماضي وأما المستقبل فيلعب فيهما الخيال ويسبغ عليهما كثيرا من الجلال.
والإنسان هو الوحيد بين مخلوقات الأرض الذي يشعر بنفسه، ويشعر بالعالم حوله، ويستطيع أن ينظر من خارج نفسه إلى نفسه، وينظر من نفسه إلى العالم الذي يحيط به، فدفعه ذلك إلى كثرة السؤال: من أنا في العالم؟ ما علاقتي به؟ ما معنى هذه الحياة القصيرة التي يعقبها الموت؟ كيف كان العالم قبلي؟ كيف يكون العالم بعدي؟ ... إلى كثير من مثل هذه الأسئلة.
وقد اشتركت الأساطير والفلسفة والدين في الإجابة عن هذه الأسئلة، وتطورت نظرات الناس إلى الماضي والمستقبل حسب اختلاف البيئة الاجتماعية، فكثير من الأمم قدسوا الماضي وعدوه هو العصر الذهبي، ورأوا أن العصر الذي يعيشون فيه عصر انحطاط وتدهور؛ ففي عهد الأساطير عند اليونان كانوا يعدون عهد (كرونوس) عصرا ذهبيا، ويعتقدون أن الناس كانوا يعيشون فيه عيشة الآلهة أو ما يقرب من الآلهة؛ فلما تجاوزوا عصر الأساطير كانوا يعتقدون أن عصر المشرعين أمثال ليكورغ وصولون هو العصر الذهبي لليونان، وأن أملهم وطموحهم إنما هو في عودة ذلك العصر السعيد.
ثم جاءت النصرانية، وجاءت القرون الوسطى، واضطهد الناس أشكالا وألوانا، وفقدوا حريتهم، ووقعوا تحت نير الاضطهاد والاستعباد، فرأوا أن الحياة التي يعيشونها لا قيمة لها، ولا أمل فيها، فوجهوا نظرهم إلى الحياة الأخرى وحدها؛ حيث النعيم المقيم، والسعادة الأبدية، واعتقدوا أن العيشة الحاضرة ليست إلا فترة ضئيلة من الحياة تنقضي على أي شكل كان، فما هي إلا قنطرة يعبر عليها السائر إلى الآخرة.