الزهرة تتفتح وتنضر ثم تذوى، والجمال يروع ثم يزول، والنبات يكون أخضر يانعا ثم أصفر يابسا ثم هشيما تذروه الرياح، والقمر يبدأ هلالا ثم يتكامل بدرا ثم يصيبه المحاق.
والإنسان يبدأ طفلا يحبو، ثم يكون شابا مكتملا، ثم شيخا هرما، ثم يدركه الموت، وكل شيء هالك إلا وجهه.
| خواطر (1)
حدثني قاض فاضل جليل أنه عرض عليه يوما قضية غريبة طريفة.
ذلك أن رجلا ادعى على آخر أنه بينما هو يسير في الطريق؛ إذ صفعه المدعى عليه صفعة قوية على قفاه من غير أن يكون هناك أي سبب يستدعي ذلك، فلما سئل المدعى عليه: هل صفعت هذا الرجل؟ قال: نعم. أتعرفه من قبل؟ قال: لا. هل بينكما معاملة تستدعي أن تصفعه؟ قال: لا. هل حدثت بينكما مشادة ترتب عليها الصفع؟ قال: لا.
فما السبب إذا؟ قال: كنت سائرا في الطريق، فلفت نظري عظم قفاه وامتداده واستعراضه، فأوحى إلي هذا القفا أنه صالح كل الصلاحية للصفع، فلم أدر إلا وقد تحركت يدي من جنبي وصفعته صفعة قوية شفيت بها شهوتي. •••
ربما كانت هذه ظاهرة - في الظاهر - غريبة، وربما ظن الناس أنها ظاهرة قل أن تحدث في الوجود، ولكن بالتأمل فيها نجد أنها هي وأمثالها تحدث كل ساعة وكل يوم، فيكاد كل إنسان تراه يوحي إليك معنى من المعاني، يتطلب منك سلوكا خاصا به.
ترى سائلا يوحي إليك بالرحمة فتحسن إليه، وسائلا يوحي إليك بالقسوة فتقسو عليه، وقد لا يكون هناك فرق بينهما من حيث البؤس والشقاء ومظهر الفقر والحاجة، لكن معنى خفيا أوحى إليك بالعطف في الأولى، والقسوة في الثانية.
ويتقدم إليك إنسان يطلب قضاء مصلحة مما هو في دائرة اختصاصك، فتشعر أن حافزا قويا يحفزك إلى قضاء مطلبه، والسرعة في إنجاز مصلحته، ويجيئك آخر فيوحي إليك منظره بالنفور منه والكره له، والتثاقل في قضاء ما يبتغي.
هل يرجع ذلك إلى حسن المنظر أو قبحه، أو إلى اللباقة في الطلب أو عدمها، أو إلى حسن الأداء وسوئه؟ كلا، قد لا يكون شيء من ذلك، بل قد يكون العكس؛ فتقضي الأمر لمن قبح شكله، أو ساء هندامه، أو كان على الفطرة في عرض مطلبه، أو نحو ذلك، إنما هو معنى خفي، وسر من أسرار الإنسان يحنن القلب أو يقسيه، ويبعث على العطف أو النفور.
ولو دققت النظر في سلوكك مع أصدقائك ومعارفك لوجدتك تسلك مع كل منهم مسلكا خاصا يتفق وما يوحيه إليك هذا الشخص من معنى: هذا صديق ما تراه في مجلس إلا بعث في نفسك حب السخرية به، والضحك منه، والاستهزاء بقوله أو فعله؛ وهذا آخر ما تراه إلا يبعث عندك التفكير الجدي، والاهتمام به، والإصغاء إلى قوله، والاستجابة إلى أمره ونهيه، وتقدير كل كلمة تصدر عنه؛ وهذا ثالث تجلس معه، فيبعث في نفسك السرور والمرح، وتحب أن تسمع قصصه وتضحك منه، ولو كان قصصه كسائر قصص الناس، ونكاته ونوادره كسائر ما يصدر من الناس، ولكن فيه خاصة غريبة تبعثك على الاستعداد للضحك والسرور من كل ما يصدر عنه؛ وهذا رابع لا تراه إلا وينفتح له قلبك، وتحب أن تكشف له عن كل سرك، وتستشيره في كل ما شق عليك؛ وهكذا من صفات لا تنتهي مما يوحيه إليك كل شخص تعرفه أو تقابله أو تجلس إليه.
وقد عرفنا ذلك ولمسناه، وإن لم نلتفت إليه، أيام كنا تلاميذ حتى في المدرسة الابتدائية؛ فكان يدخل علينا مدرس جديد لا يعرفنا ولا نعرفه؛ فما تمر علينا دقائق إلا ويوحي إلينا هذا المدرس بالهزء به والسخرية منه، ويستمر هذا الإيحاء ما بقي هذا المدرس معنا، ويأتي بعده آخر فما نراه إلا ويملأنا هيبة وإجلالا واحتراما ووقارا، ويستمر هذا أيضا ما بقي معنا، كل هذا كان ونحن أطفال لا نحسن التفكير، ولا نجيد التقدير؛ وإنما هو الوحي أو الإلهام، أو الخاصية أو ما شئت من الأسماء، هي التي توحي بالمعاني المختلفة للأشخاص المختلفين. •••