تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمدنية الحديثة الآن تظهر العطف على الشرق، وتدعي أنه يؤلمها أن تراه متأخرا، وتعلن أنها مستعدة للأخذ بيده والنهوض به، وأنها على استعداد أن تمده بالإخصائيين من رجال الزراعة والاقتصاد والمال؛ ليبحثوا حالته وينتشلوه من ورطته، ويعينوه بالأموال إذا اقتضى الحال؛ ولكن في الوقت نفسه، يرى أهل هذه المدنية ما تفعل فرنسا في المغرب من خنق للحرية، وحجر على التعليم، ومقاومة كل حركة وطنية بالقنابل والمدافع والطيارات، ويؤيدون ما يفعل الصهيونيون بالمسلمين من اغتصاب ديارهم، وتشريد مئات الألوف من سكانها، وتركهم يتضورون جوعا، ويتحملون أشد أنواع العذاب؛ من قسوة البرد، ولهيب الحر، ثم لا تأخذهم رحمة، ولا يتحرك قلبهم لعطف، فكيف يعطفون عليهم في الأولى، ويعلنون أنهم يضعون الخطط للأخذ بيدهم، ومد يد المساعدة لهم، وينكلون بهم في الأخرى حتى كأنهم يريدون القضاء عليهم، ومحوهم من على وجه الأرض؟! أليست هذه متناقضات؟!

الحق أنهم في سلوكهم في الشرق يعيثون مع الذئب ويبكون مع الراعي، ويتظاهرون بالعطف ويضمرون البغض، ويعلنون المعونة ويبطنون الاستغلال، ولم يتحركوا حركتهم الأخيرة بدعوى الأخذ بيد الشعوب المتأخرة؛ إلا خوفا من روسيا، وخوفا من أن يؤدي سوء الحالة الاجتماعية في الشرق إلى إفساح المجال للمذهب الشيوعي، ولولا خوفهم على أنفسهم ما فكروا في الشرق إلا لاستغلاله ولا أمدوه بشيء إلا ليأخذوا منه أكثر مما أعطوا، أما الإنسانية أو الإخاء أو العطف على البائس الفقير أو تعليم العالم الجاهل أو مساعدة القوي الضعيف أو نحو ذلك من المعاني السامية؛ فآخر ما يمكن أن تفكر فيه المدنية الحديثة.

وتقرر هيئة الأمم مبادئ سامية في حقوق الإنسان ومساعدة كل أمة تريد أن تحكم نفسها، فإذا هبت أمة شرقية للمطالبة بتطبيق هذه القواعد سدت الهيئة آذانها وكأنها لم تصدر قرارا ولم تضع مبادئ، بل إن الفعل الواحد قد تفعله روسيا فتقوم عليها الأمم الديموقراطية معنفة مشهرة، ثم تقدم على مثله أمة ديموقراطية، فلا نقد، ولا تعنيف، ولا تشهير، وكأن القضية الواحدة يحكم فيها بالنظر إلى من ارتكبها، فإن كان مرتكبها أسود كانت جريمة كبيرة، وإن كان أبيض لم تعد جريمة.

وتضع اليونسكو قرارا بأن كل أمة لها الحق في أن تعلم أبناءها بلغتها، فإذا رفع المغاربة صوتهم عاليا بأنهم محرومون في بلادهم من تعليم العلوم بلغتهم، وأن العلوم في بلادهم تعلم باللغة الفرنسية لا بلغتهم القومية العربية، وأن اللغة العربية تصلح كل الصلاحية أداة لتعليم العلوم كما هو الحال في الأقطار العربية الأخرى، لم يسمع لقولهم ولم يلتفت إلى ندائهم.

فالحق أن المدنية الغربية تسير على المبدأ القديم الذي حكاه القرآن عن اليهود بأنهم قالوا:

ليس علينا في الأميين سبيل

وأن الحق لا ينظر إليه في المدنية الحديثة على أنه حق في ذاته، ولا الباطل باطل في ذاته، وإنما الحق والباطل يقوم باعتبار من صدر عنه، مثلهم في ذلك مثل البدوي البدائي الذي سئل عن العدل والظلم؛ فقال: إذا أخذت جملا من قبيلة غير قبيلتي فعدل، وإذا أخذ رجل من غير قبيلتي جملا من قبيلتي فظلم.

وعلى الجملة فقد كل الشرق يصدق زعماء الغرب في دعاويهم منذ نادى الرئيس ولسن بمبادئه، وظنوا أن ويلات الحروب قربت الزعماء السياسيين من فهم الأخوة والإنسانية، فلما كثرت أقوالهم وكذبتها أعمالهم في دعوى ولسن وأقوال عصبة الأمم وأقوال هيئة الأمم ومبادئ روزفلت وما إلى ذلك، لم يعودوا يصدقون هذه الأقوال وأخذوا يسمعونها على أنها أمثلة من النفاق لا تدل ألفاظها وجملها على معانيها الحقيقية، وإنما هي ألفاظ مزوقة، يضحك بها على ذقون البله والمغفلين فترة من الزمان.

والآن إذا نشبت حرب أخرى - لا قدر الله - وقيلت مثل هذه الأقوال ووضعت مثل هذه المبادئ وأعلنها الزعماء السياسيون؛ لم تجد من الشرق إلا ضاحكا أو ساخرا، وهذا شأن كل من يتوالى قوله، ولا يصدق فعله.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٨٦