تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليس هذا سلوك المدنية الحديثة مع الشرق وحده، بل هو المسلك نفسه مع أمم الغرب بعضها وبعض، فمظهر النفاق والتناقض بين الأقوال والأفعال واضح في كثير من التصرفات؛ فعندما أعلن موسوليني ضمه للحبشة وخرج من عصبة الأمم، أعلنت عصبة الأمم أنه يريد تغيير خريطة العالم بالقوة، واستنكرت فعله، كأنه وحده هو الذي فعل هذا، وكأن لم تفعل إنكلترا وفرنسا مثل عمله، فكانت كل حين تغير خريطة العالم بالقوة، وكأن موسوليني أتى بدعا جديدا، ولم يكن مسبوقا بأمثلة كثيرة من الأعمال، فعلتها كل الدول الأوربية القوية قبله، فكأنهم لصوص استولوا على الغنائم ووزعوها بينهم واطمأنوا إليها، فلما ظهر لص جديد ثار عليه اللصوص القدماء واتهموه بالسرقة والغدر والخيانة!

وفي كثير من أحداث التاريخ كانت بعض الأمم تظلم وتعتدي وتلقي القنابل على البلاد المطمئنة الهادئة غير المسلحة، فيرتفع الصوت عاليا من الأمم الأخرى بالاستنكار والاستفظاع والوصف بالوحشية، ومع ذلك يتبين أن هذه الأمم المستنكرة تمد الأمة المعتدية بالذخيرة والسلاح.

لقد استنكرت عصبة الأمم فعل إيطاليا بالحبشة، ومنعت عنها كثيرا من المواد إلا البترول الذي يستخدم في الحرب، واستنكرت بعض الأمم رمي فرانكو القنابل على البلاد الآمنة في إسبانيا، ومع ذلك كانت هي التي تمده بالسلاح ولم تقطعه عنه، وهكذا، وهكذا من ضروب الاضطراب والتناقض والنفاق.

وعلى الجملة، فإن كانت المدنية الحديثة صناعة فنعمت هذه الصناعة، وإن كانت علما وبحثا واكتشافا، فنعم العلم والبحث والاكتشاف، وإن كانت سلوكا وأخلاقا من قادة السياسة وزعمائها فبئست هي.

| الحياة والموت

كان العرب مرهفي الحس دقيقي الذوق؛ إذ مدوا (الحياة) وقطعوا (الموت) والحياة قصيدة، لها مطلع ومقطع وبيت القصيد، وقد يسوء المطلع أو يحسن، وقد يسوء المقطع أو يحسن، وقد يسوء بيت القصيد أو يحسن، وقد تأتي القصيدة جميلة المعاني، حسنة الأسلوب، جيدة الوزن، وقد تسوء في كل ذلك أو بعضه، هكذا أنواع الحياة، وهكذا أنواع القصائد.

مطلع الحياة الطفولة، ومقطعها الشيخوخة، وبيت القصيد الشباب.

والحياة السعيدة قصيدة حسن معناها وجمل إيقاعها وانتهت بسلام، والحياة الشقية قصيدة ساء مطلعها أو مقطعها أو بيت قصيدتها، في المعنى أو في الوزن أو في حسن الترتيب والانسجام، أو في كل ذلك.

والحياة قصيدة، طويلة وقصيرة، وقصيدة كألف، وألف لا تساوي واحدة، والحياة قصيدة، منها الضاحكة المبتهجة كقصائد الفخر والفكاهة والحب السعيد، ومنها كئيبة حزينة كقصائد الرثاء والشكوى والحب اليائس.

والحياة قصيدة، أكثرها عادي مألوف، وقد تسمو إلى حد الإعجاز، وقد تنحط إلى درجة النفور والاشمئزاز.

والحياة حياتان: حياة عابرة، وحياة خالدة، كالقصيدة قد لا تعيش ساعة، وقد تبقى على مر الأزمان.

والحياة قصيدة: جميلة وقبيحة، وقوية وضعيفة، وواضحة وغامضة، وسهلة وعسيرة، وضخمة ورقيقة.

والحياة لا تتساوى أيامها في القيم؛ فيوم نحس، ويوم سعد، ويوم بين بين، كالقصيدة تختلف أبياتها، فبيت رائع، وبيت ساقط، وبيت بين بين.

والحياة قصيدة، حياة تروعك وتبهرك، وحياة تسوؤك وتجرحك، وحياة لا تشعر بها ولا تحس بوجودها.

وخير الحياة ما أمتعت صاحبها ومن حوله، وخير القصائد ما أمتعت صاحبها ومن حوله. •••

وإن شئت فقل إن الحياة قطعة موسيقية، باسمة وحزينة، وخالية من النشاز، ومملوءة بالنشاز، وعذبة مستساغة، وكريهة منفرة، وجيدة التوقيع، ورديئة التوقيع، ومنسجم بعضها مع بعض، وينقصها الانسجام، وعالية ومنخفضة، ورقيقة وغليظة، وقوية وضعيفة، وتبتدئ لتبلغ الأوج، وتنحدر لتبلغ النهاية.

وحياة الناس جوقة موسيقية لا تحسن في السمع إلا إذا انسجمت، وقلما تنسجم، ولا تلذ سامعها إلا إذا خلت من (النشاز) وقل أن تخلو، ولا تصلح في الذوق إلا إذا شدت أوتارها على أساس واحد، ووقعت نغماتها في تجانس واحد، وقل أن يكون ذلك. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٨٧