تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إني لأضن بجمال الأزهار عن أن يقطفها قاطف أو يعبث بها عابث؛ وكلما رأيت باقة مجموعة ذكرت من جناها وجنى عليها، ولئن عذرنا الإنسان يجني على الحيوان والثمار؛ يتبلغ بها ويعيش عليها، فكيف نعذره في قطف الجمال وليس له كبير قيمة إلا في مكانه وعلى أغصانه؟!

وبقدر ما أبتهج بالجمال واكتماله، أرثى للجمال وذبوله؛ فأحزن لذبول الزهرة وتناقص القمر وشيخوخة المرأة، ولا يعزيني عن ذبول الزهرة إلا أنها تموت لتحيا، وتذبل لتزهر، وتتناقص لتكمل.

في جمال الأزهار معنى غامض كجمال النساء؛ فقد تبلغ الحسناء أقصى درجات الجمال، ثم لا تملأ قلبك ولا تسلب لبك، وإذا بمن دونها حسنا وجمالا تأسرك وتستولي عليك وتغمر مشاعرك، كذلك الشأن في أزهار حديقتي؛ هذه زهرة منتحية منعزلة، ليست أجمل الأزهار، ولكن هي أحبها إلى نفسي وأقربها إلى قلبي.

إن الشعور الحق بالجمال لا يتجزأ؛ فمن أحب جمال الأزهار أحب جمال النساء وأحب جمال الطبيعة، ومن لم يشعر بجمال الأزهار فقد الشعور بالجمال عامة، فإن رأيته وقد استهوته المرأة فهو استجابة للغريزة لا حب في الجمال.

إن الله خلق الإنسان والعالم ليتجاوبا ويتناغما، فإذا لم يهتز القلب لجمال الأزهار؛ ففيم خلقها؟! وإذا لم يبتهج بالسماء ونجومها؛ ففيم لمعانها وضياؤها؟! وإذا لم يتأثر بالطبيعة وجمالها؛ ففيم البحار وأمواجها، والمياه وخريرها، والجبال الشامخة وجلالها؟! فحيث وجدت العين الناظرة وجد المنظور، وحيث كانت الأذن كان المسموع، وإلا كان سؤالا بلا جواب، وعينا تقرأ ولا كتاب.

ليت لستالين وترومان وبيفن وأمثالهم مشاعر يدركون بها جمال الزهر، ويفهمون بها وحيه، ويصغون بها إلى حديثه، ويأنسون بها إلى وداعته ولطفه، إذا لتغير وجه الأرض وسادت الدعوة إلى السلام، وتغلبت بواعث الإنسانية، وإذا لاشمأزوا من رائحة القنابل وحديث الذرات واعتمادات الحروب، ولفكروا فيما يسعد لا ما يشقي، وفيما يخلد لا ما يفني، ولكن عدموا الذوق فاستأنسوا بالبارود، ونسوا الزهور فنسوا أنفسهم، وعبدوا الشيطان فصدهم عن الجمال.

وأخيرا ليت الزمان ربيع كله.

| حول المدنية الحديثة

في صيف عام لا أذكره ذهبت إلى الإسكندرية؛ لأبحث عن بيت أصيف فيه، فكان مما عرض علي بيت كان يسكنه رجل إنجليزي، وقد تركه للإيجار؛ فاستعرضت غرفه، ولفت نظري غرفة صغيرة رأيت فيها قطة سوداء؛ فسألت عنها فقيل لي: إنها قطة ذلك الرجل الإنجليزي صاحب البيت وهي عزيزة عليه يعني بها، ويرعي شئونها، فلما ترك البيت أوصى بها خيرا، ورتب لها من يقوم على أكلها وشربها والعناية بشأنها، فسألت: وأين ذهب الرجل صاحب البيت؟ قالوا: إنه ذهب إلى ميدان الحرب متطوعا، فدار بخلدي هذا السؤال: كيف يعني بالقطة السوداء، ويحافظ على حياتها، ويرعاها حق رعايتها، ثم يذهب إلى القتال طوعا ليسفك دم أخيه الإنسان، ويقتل من يستطيع قتله، ويجرح من يستطيع جرحه؟! أيمكن في الإنسان الواحد أن تنقلب عاطفة الرحمة التي يبلغ من سموها العطف على القطة، إلى عاطفة قسوة تقتل وتبيد، وتتقمص أحيانا روح ملك فتفيض رحمة، وأحيانا روح ذئب فتنهش وتفتك؟! كيف تتلون العاطفة الواحدة هذه الألوان المتناقضة؟!

وكم في المدنية الحديثة من متناقضات من هذا القبيل! إن المدنية التي يؤلمها الرقيق فتسعى جهدها إلى إلغائه، وتعقد المعاهدات للقضاء عليه، وتبذل الجهود الجبارة في البر والبحر للتخلص منه، لا يفسر عملها إلا بأنها تعشق الحرية لبني الإنسان جميعا، وتكره الرق وتمقته؛ لأنه عدو الحرية؛ ولكن نرى هذه المدنية بعينها تسترق من الأمم أكثر مما تحرر من الأفراد، فهي من جانب يؤلمها الرق فتحرر، وهي من جانب آخر تؤلمها الحرية فتسترق، وإلا فما بالها هجمت على الشرق كله فاسترقته، ووضعت في رجله القيود، وفي عنقه الأغلال، ولم تمكنه من أي نوع من أنواع الرقي، وكان إذا طالب بحريته في التعليم، أو بحريته في استغلال موارده، أو بحريته في التسلح، أو بحريته في الخطابة والكتابة، قاومت ذلك كل المقاومة، وضغطت عليه كل الضغط، ولو أدى ذلك إلى استعمال الحديد والنار؟! فكيف تعشق الحرية وتمقتها، وتبكي عليها وتخنقها؟! هذا أيضا ضرب من المتناقضات!

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٨٥