ها أنا ذا اليوم في حديقتي الصغيرة والجو جميل والربيع ناضر والأزهار ضاحكة، فليكن حديثنا هذا العام في الأزهار:
إنها لا شك عالم وحده، كعالم الطيور وعالم الإنسان، تتعدد مناظرها ويتنوع جمالها، ويمكنك الحديث عنها من وجوه مختلفة؛ أولا من ناحية رائحتها، ففيها قوي الرائحة كالفل والياسمين، ومتوسط الرائحة كبعض أنواع الورد والقرنفل، وضعيفها كالأقحوان، وعديمها ككثير منها، وليس يتوقف الجمال على الرائحة، فالرائحة تتصل بالشم، وهو أقل الحواس قيمة إذا قيس بالسمع والبصر، بل ربما سمت قيمة الزهرة إذا عدمت رائحتها؛ لأن الرائحة مقرونة بالنفع، فإذا تجردت من الرائحة كان تقويم الجمال للجمال، كالقطعة الموسيقية والغناء الجميل، فالغناء الجميل ذو المعنى يوزعك بين لذة العقل ولذة السمع، والموسيقى الجميلة ينحصر جمالها في جمال توقيعها، وعندي أن الجمال المحدد خير من الجمال الموزع.
ثم هذه الأزهار أمامي كأنها جمع من الفتيات الفاتنات المتنوعة السمات؛ هذه زهرة تلفت النظر في قوة إلى جمالها فتأسرك حتى لا تود عينك التحول عنها؛ جمالها ظاهر بين، واضح جذاب، كالفتاة التي تملك عليك قلبك ومشاعرك، قد لا تكون هذه الفتاة أجمل من في الجمع، ولكن لها من السحر والفتنة ما يبطل سحر غيرها، وهذه زهرة أخرى جمالها في وداعتها وهدوها، كالفتاة لا تلهبك نارا، ولكن تغمرك حنانا.
وهناك في زاوية من زوايا الحديقة زهرة منعزلة مستترة لا يلتفت الناظر إليها إلا بالبحث عنها، كالفتاة الحيية الخجول، المنطوية على نفسها، العازفة عن عرض جمالها.
ثم هذه الأزهار يختلف وحيها باختلاف نقوشها وألوانها، فهذه زهرة توحي الطهر والعفاف، وهذه زهرة توحي النقاء والصفاء، وهذه زهرة توحي القوة والجبروت، وهذه زهرة توحي تفتح الرغبة، وهكذا.
للأزهار لغات ودلالات، تعجز عنها معاجم اللغات؛ إذ كيف تنجح اللغات في دلالات العواطف؟! إن اللغة وسيلة قد تكون جيدة في نقل الآراء والأفكار ، ولكنها وسيلة جد فقيرة في نقل العواطف والمشاعر.
وللأزهار دلالتها الخاصة على ما يرتبط بها من أحداث وما تظهر فيه من مواسم، فأزهار الشتاء تدل على الشتاء، وأزهار الصيف تدل على الصيف، وأزهار الربيع تدل على الربيع، ولكل زهرة معنى عند صاحبها يوحي إليه تداعي المعاني؛ فمن رأى طاقة زهر في حفل بهيج ارتبطت هذه الطاقة ومنظرها بهذه الحفلة وبهجتها، ومن رأى زهرة على صدر فتاة جميلة ذكر الفتاة إذا رأى الزهرة، ومن رأى الزهرة في مكان ذكرته الزهرة بالمكان، وكذلك تدل الزهرة دائما على بيئتها وزمانها ومكانها وأحداثها.
والفنانون يختلفون في تقويم الأزهار اختلافهم في تقويم جمال الإنسان وجمال الطبيعة؛ وقد روي لنا الكثير عن اختلاف الشعراء في تمجيد بعض الأزهار؛ هذا يمجد الياسمين ويفضله على سائر الأزهار، وهذا معبوده النرجس، وهذا هواه البنفسج، وقرأت مرة عن فنان بغدادي استهواه الورد وجن به حتى كان إذا جاء موسمه انقطع عن عمله وخرج إلى حدائق الورد يتنقل فيها، ويتغزل في محاسنها، إلى أن ينتهي الموسم فينصرف إلى عمله.
هذه الأزهار منتثرة حولي في حديقتي، يتنوع جمالها وبهاؤها، من جمال بساطة إلى جمال تعقيد، ومن جمال لون إلى جمال نقش، ومن جمال صارخ إلى جمال خافت، ومن جمال معربد إلى جمال متستر، ومن جمال ناعم إلى جمال شائك، وكلها في تنوع جمالها منسقة منسجمة، كأنها موسيقى تنوعت آلاتها وتناغمت ألحانها.
وهذه الأزهار تخالفت أعمارها كما اختلفت أعمار كل حي؛ فزهرة سرعان ما تذبل، وزهرة تطول حياتها ويطول جمالها، ويكاد يكون أجملها شكلا أقصرها عمرا، كالشأن في الإنسان قل أن يعمر نابغ ويهرم عبقري، كأن الطبيعة تغار من نبوغه أو عبقريته، أو كأنها تضن به عن أن يكون نعمة جيل؛ فتخترمه؛ ليكون مفخرة دهر.