بل إن المناظر الطبيعية الجميلة تختلف روح مجالسها، فجلسة القمر تحتاج إلى هدوء وتفكير في الفلسفة أو تساقي الغرام، ومنظر البحر الهائج يعدي النفوس فتحتاج إلى مجلس هائج ونفوس متحركة؛ وكذلك قل في منظر الزرع والشجر أو قمم الجبال أو طلوع الشمس أو غروبها في البحر، فكل من هذه لا يناسبه إلا منادمة خاصة وحديث خاص، وإلا فسد الطعم وساء الذوق.
وكما تموت روح الفرد قد تموت روح المجلس؛ فقد ترى جماعة اتخذوا شكل مجلس، ولكنه مجلس بلا روح، كمجلس لا تعارف بين أصحابه، أو هم متعارفون ولكنهم متناكرون، أو هم متعارفون متحابون ولكن انقبضت صدورهم لسبب ما، فنفروا من الحديث ولجأوا إلى الصمت؛ فإن شئت فقل في هذا المجلس: إنه مجلس بارد، وإن شئت فقل: إنه مجلس ميت.
كل هذا أدركه من قبلنا، ولكن لم يعبروا عنه تعبيرنا؛ فقد أدركوا المعنى الجزئي ولم يدركوا ما نسميه اليوم روح المجلس، والأدب العربي مملوء بهذه النظرات؛ فكم قال عشاق الشراب في وصف النديم وشروطه وما يجب أن يكون عليه، وأبدع في ذلك أبو نواس أيما إبداع، وحذا حذوه الشعراء والكتاب؛ حتى لقد فضلوا لذتهم من النديم على لذتهم من الشراب إذا خلا من نديم؛ وما النديم في نظرنا إلا التماس لروح المجلس وما تبعثه من سرور يحيط بالشراب، ولولا هذا النديم الذي يخلق الروح ما التذ الشاربون من شرابهم هذه اللذة.
لقد أعجبتني حكاية ظريفة، وهي أن زوجة ساءها ما ينفقه زوجها كل ليلة في الخمارة، فطلبت إليه أن يشرب في بيتها وبيته، وعاهدته أن تعد له أحسن شراب وأنظف مائدة وأجمل أزهار، فقبل ذلك منها، وشرب في بيته على هذا الوضع ليلتلين أو ثلاثا، ثم فر من ذلك وعاد إلى الخمارة وقال: «أين ضحك الندمان، وأين مماكسة الخمار؟!». وهو محق في ذلك؛ لأن لذة الشراب ليست في الشراب وحده، بل في الندمان وما يحيط به وبالندمان.
ولعلك شهدت جماعة يسمعون أسطوانة موسيقية لمغن مشهور أو مغنية مشهورة، فيطربون لها طربا مختلفا يزيد عند بعضهم وينقص عند الآخرين، وليس الطرب الشديد عند من يطرب يرجع إلى حاسته الموسيقية فقط، ولكن لأنه يذكر أنه سمع هذه الأسطوانة مرة في مجلس غني بالمناظر الجميلة والحركات الجميلة، فإنما هو يستوحي روح المجلس الذي سمع فيه هذه الأسطوانة فيزيده ذلك طربا.
وأدرك العرب أيضا اختلاف روح المجلس بقلة العدد أو كثرته، فقال إسحاق النديم في الندماء: «واحد هم، واثنان غم، وثلاثة نظام، وأربعة تمام، وخمسة مجلس، وستة زحام، وسبعة جيش، وثمانية عسكر، وتسعة اضرب طبلك، وعشرة ألق بهم إلى حيث شئت». واستعاض بعضهم عن النديم بالكتاب يقرؤه، أو الكتاب يؤلفه، كما حكوا عن ابن سينا والفارابي؛ فقد رووا أن كلا منهما كان يجلس إلى الشراب ويكتفي بمنادمة الكتاب.
وكانوا يستحسنون الشراب يوم الدجن، وفي البساتين أيام الربيع على مناظر الزهور الجميلة، وهكذا.
ومع ذلك كله فلا تزال روح المجالس يكتنفها الغموض، شأنها شأن روح الأفراد؛ فقد تتفتح روح الفرد وتنتعش وتغمر بالسرور من غير سبب واضح، وقد تنكمش وتنقبض ويعلوها الحزن والضيق من غير سبب واضح أيضا، كذلك الشأن في روح المجلس، قد يجتمع إخوان على أصفى ما يكونون روحا وتجانسا وألفة، وتتهيأ جميع ظروف الزمان والمكان ويتنبأون جميعا بمجلس سار ممتع، وإذا روح المجلس تنقلب ثقيلة بغيضة كريهة كأسوأ ما يكون، وقد يخلو المجلس من شروط صفائه ومجلبة سروره، ثم يكون مجلسا سارا ممتعا؛ كل ذلك لأسباب قد تعرف وكثيرا ما تجهل.
| في الربيع
يعز علي أن يأتي موسم الربيع ولا أكتب فيه، وكل عام أكتب ولم تفرغ معانيه، فالأفكار والمشاعر تتجدد كما يتجدد الربيع، وكم للربيع من معان يفنى الكتاب والشعراء ولا تفنى جدتها، وتعسا لمن لم يهتز قلبه للربيع، ولم تبتهج مشاعره بجماله ، ولم يجاوبه بعواطفه! إن من حرم العين الفنانة والأذن الموسيقية والشعور بجمال الأزهار والأشجار حرم الخير الكثير، ودل ذلك على أنه جامد القلب، غليظ العاطفة، مادي الحياة، كثيف الطبع.