أنا :
أنا لا أحب وصف النسيم بالعليل، كما لا أحب وصف العين الناعسة بأنها مريضة أو ذابلة، وأرى أن الأدباء خانهم التوفيق في هذا، فيجب أن تكون أوصاف الحسن متميزة عن أوصاف القبح، ويجب أن نستقل في ذوقنا ولا يستعبدنا ذوق غيرنا، وكما أن لكل عصر ذوقه في مأكله وملبسه، فلكل عصر ذوقه في فنه ومنه الأدب.
ولماذا نحرص على الاستقلال السياسي والاقتصادي، ولا نحرص على الاستقلال الفني والأدبي؟! هل يجب أن نتقيد في الغناء بغناء الموصلي أو عبده الحمولي؟! فلماذا لا نفعل ذلك في الأدب، فنرفض من التعبيرات الأدبية ما ينفر منه ذوقنا، ونبتكر ما يتفق ومشاعرنا؟! ومن أمثال ما نرفضه «النسيم العليل» و«العيون المراض».
هو :
هل تريد الاستقلال التام في الأدب، فلا يكون بيننا وبين القديم نسب؟!
أنا :
بالطبع لا أريد ذلك، وإنما أريد أن ينمو الأدب كما ينمو كل فن، وأن يتحرر من القيود التي تكبله وتخمله وتميته؛ فيتطور مع الزمن في تعبيراته وتشبيهاته واستعاراته وموضوعاته وأساليبه، ويتبع ذوق العصر فيما يحيى وما يموت، وما يستحسن وما يستهجن؛ وهذا هو الشأن حتى في السياسة، فالأمة التي تنال استقلالها لا تستطيع أن تتخلى عن كل تقاليدها الماضية، وإنما تغربل قديمها وتبني عليه جديدها. •••
لا أذكر - بالضبط - كيف تنقل الحديث، ولكن أذكر أني وجدت أننا نتكلم في استقلال مصر ومشكلة فلسطين، وأن صاحبي انتهى في حديثه إلى أن يقول: «إن مصر ستنال استقلالها حتما، وإن فلسطين ستحل مشكلتها كما يقضي العدل حتما؛ لأن الحق لا بد أن يسود، وإذا تصارع الحق والباطل غلب الحق لا محالة».
أنا :
هل «قضية غلبة الحق» حق لا شك فيه، أو هي ككثير من المسائل التي يأخذها الناس قضايا مسلمة من غير جدل ولا بحث، ويسلمون بها تسليما أعمى، مع أنها أسطورة؟ أفي الحق قوة كامنة وفي الباطل قوة كامنة كذلك، ولكن قوة الحق أضعاف قوة الباطل، فإذا تحاربتا انهزمت قوة الباطل الضعيفة أمام قوة الحق القوية؟ أهذه القضية حقيقة ثابتة، أم هي من اختراع الساسة أو الحكماء؛ حتى يشجعوا المحق على التشبث بحقه، والإلحاح في المطالبة به، ويفتوا في عضد المبطل حتى يتخاذل ويستخذي؟
هو :
أرى أن الأمر كما قلت في قوة الحق الكامنة فيه بطبيعته، وضعف الباطل بطبيعته.
أنا :
إن كان الأمر كذلك كذبه الواقع، ففي كل يوم نرى باطلا ينتصر وحقا ينهزم، ففي المحاكم لا يستطيع أحد أن يقول: إن أحكامها كلها صحيحة، وما كان منها غير صحيح فهو انتصار للباطل، وفي حياة الأفراد كثيرا ما يرقى وينجح المبطل الخائن، وينهزم ويفشل المحق الأمين، وفي السياسة كثيرا ما ينتصر اللسن الجدل الفصيح وهو يخدم الباطل، وينهزم الرزين الرصين وهو يدافع عن الحق، أو يتغلب المبطل يؤيده السلاح، وينخذل المحق وليست وراءه قوة، وفي الحروب كثيرا ما ينتصر من ينتصر للباطل؛ لأنه أقوى عدة وأكثر دعاية وأمهر في الأساليب، وينهزم المحق لأنه لم يبلغ مبلغه في كل ذلك.
بل إننا نرى أن ما يسود العالم من الأباطيل أكثر مما يسود من الحق، فأكثر أهل الأرض خاضع لعقائد باطلة وخرافات وأوهام فاسدة، ونظريات سياسية واجتماعية تدعمها الدعاية المختلفة المصطنعة لا الحق المتين، ولو غربلت ما عليه الناس من عقائد وعادات وأوضاع وتقاليد وسلوك وأخلاق ومعاملة، لرأيت ما فيها من الحق كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كحبة قمح تائهة في تل من تبن.
والدنيا كلها جارية على سنن واحد، وهو أن قليلا من القمع بالقوة والتشريع الظالم تحميه القوة التنفيذية كاف لإماتة الحق، ثم إذا سار الناس زمنا على ذلك ألفوا هذا الباطل وعدوا المنادي بالعدل والحق ثائرا أو خائنا أو زنديقا أو مجنونا، فأين - إذا - غلبة الحق وانتصاره؟