تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والناس في الحرب شتى وهي مقبلة

ويستوون إذ ما أدبر القبل

كل بأمسيها طب مولية

والعالمون بذي غدويها قلل

وأدرك العرب من مساوئ الحرب أن أضرارها لا تقتصر على المحارب، ولا تقف مهما كانت الحيطة على المقاتل، فأقل ما في الأمر أن قتيل الحرب له أسرة تكتوي بفقد راعيها، وتبتئس من فقدان عائلها؛ ولذلك كان من أقوالهم المشهورة (الحرب غشوم)، وفسروا غشمها بأنها تنال غير الجاني.

وربما كان من أقدم الشعراء، وأبرعهم في وصف ويلات الحرب زهير بن أبي سلمى؛ حيث يقول في معلقته:

وما الحرب إلى ما علمتم وذقتم

وما هو عنها بالحديث المرجم

يقول إن الحرب قد ذقتم مرارتها، وعلمتم أضرارها، والحديث عن ذلك حديث صدق ويقين، لا حديث ريب وظنون.

متى تبعثوها تبعثوها ذميمة

وتضر إذا ضريتموها فتضرم

أي متى تثيروها لا تحمدوا مغبتها، وإذا شببتموها ضريت كما تضرى النار، أو كما يضرى الكلب العقور، فتحرق من فيها.

فتعرككم عرك الرحي بثفالها

وتلقح كشافا ثم تنتج فتتئم

يقول: إن الحرب متى ضريت تطحن الناس كما تطحن الرحى ما يلقى فيها، وتحمل في أشد أوقاتها استعدادا للحمل، فتلد توأمين، فهي تحمل في قوة، وتلد في قوة، تحمل وتلد الشر مضاعفا.

فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم

كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم

1

أي إنها تلد أولاد شؤم، كلهم في الشؤم كأحمر عاد، ثم هي ترضع أولادها وتتعهدهم؛ حتى ينموا فيفطموا.

فتغلل لكم ما لا تغل لأهلها

قرى بالعراق من قفيز ودرهم

يريد أن هذه الحروب تغل من الشرور ما لا تغله أرض العراق الخصبة المنتجة للخيرات الكثيرة.

وهو تصوير بدوي طريف للحرب وويلاتها، وكثرة ما تنتجه من شرورها، وتسلسل ما يولد من أضرارها.

وهو قول ينطبق على الحرب في هذه الأيام كما كانت في أيام زهير؛ فالطبيعة الطبيعة، والشرور الشرور، وكلما تقدم الناس في أفانين الحرب كثرت شرورها ، وازدادت كوراثها، وتوالدت مفاسدها، واتسعت الأضرار بغير جناتها.

وأدرك العرب معنى لطيفا، وهو أن ضحايا الحرب أرواح، وضحايا غيرها أموال، وأين الأموال من الأرواح؟! فقال قائلهم: «دافع الحرب ما استطعت، فإن النفقة في كل شيء من الأموال، إلا الحرب، فإن نفقتها من الأرواح».

وفي بعض القطع الأدبية معان لطيفة من الدعوة إلى السلم، فإن لم يجنح الخصم لها فالحرب، ومن خير ما قالوا في ذلك قول الشاعر:

دعاني أشب الحرب بيني وبينه

فقلت له: لا؛ بل هلم إلى السلم

فإن يظفر الحزب الذي أنت منهم

وينقلبوا ملء الأكف من الغنم

فلا بد من قتلى لعلك فيهم

وإلا فجرح لا يكون على العظم

فلما أبى خليت فضل ردائه

عليه فلم يرجع بحزم ولا عزم

وكان صريع الخيل أو وهلة

فبعدا له مختار جهل على علم

فقد أدرك الشاعر في هذه الأبيات أن كل حزب مقضي عليه بالخسارة حتما، وأن النصر محتمل، ولكن الخسارة محققة، وغنم المال لا يساوي في شيء خسارة الأرواح، وقال: إنه لم ينصحه هربا من الحرب، ولكن إدراكا لعواقبها المحتومة، فلما بين له الرشد من الغي، وأبى صاحبه إلا الغي، نازله عن بينة، وكانت الدائرة على خصمه.

وهذا يرينا أن الناس من قديم؛ حتى العرب في جاهليتهم أيام كانت الغارات وسيلة من وسائل العيش، كانوا يرون أضرار الحروب ومفاسدها؛ وكان عقلاؤهم يتمنون أن لو زالت الحروب؛ ولكن ظلت هذه النزعة الصادقة خافتة لا تلقى سميعا إلى يومنا هذا، والفرق الكبير بين الأمة الحربية وغير الحربية: أن الأمة الحربية الراقية تفضل السلم وتدعو إليه، ولكنها مع هذا تعد للحرب ما استطاعت من قوة، فإذا لم يسمع صوت الحق فليسمع صوت السيف، أما إن هي استسلمت، ولم تأخذ عدتها، واعتمدت على العقل وحده، والحكمة وحدها، افترسها عدوها المسلح، كما يفترس الأسد الضاري الحمل الوديع.

| في الهواء الطلق (3)

كان خروجنا هذا اليوم إلى «ذهبية» على النيل؛ إذ بلغ الفيضان مداه، ووصل في المجد إلى منتهاه، فلما أخذنا مجلسنا قال صاحبي: ما أجمل هذا المنظر، ماء نجاشي متدفق، وزرع ونخيل، ومنظر - من الماء الذهبي وراءه الخضرة الممتدة إلى الأفق - رائع جميل، ومرأى لعين الشمس - وهي تغرب - مهيب جليل، ونسيم وادع هادئ عليل.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٧٠